يُعاني كثير من الأشخاص المصابين باضطرابات الدهون في الدم (الكوليسترول والثلاثي الغليسيريد) من قلقٍ مفرط عند تناول بعض الأطعمة، خصوصًا البيض، رغم أنه غذاءٌ غنيٌّ بالعناصر الغذائية الأساسية. وتنتشر بين الناس مفاهيم خاطئة حول علاقة البيض بارتفاع مستويات الكوليسترول، ما يدفع البعض إلى تجنبه تمامًا دون دليل علمي سليم. لكن الحقيقة الطبية تشير إلى أن البيض ليس ممنوعًا مطلقًا لمرضى اضطرابات الدهون، بل إن استهلاكه المعتدل ضمن نظام غذائي متوازن قد يكون مفيدًا، شرط أن يُراعى طريقة إعداده وكميته اليومية. أما التحدي الحقيقي في إدارة هذه الحالة فيكمن في تجنُّب ستة فئات غذائية مُثبتٌ ضررها المباشر على صحة الأوعية الدموية — وهي التي يجب أن تكون محور التركيز بدلًا من الإفراط في القلق من البيض.
أولاً: البيض ليس عدوًّا للقلب، بل غذاءٌ ذكيٌّ إذا أُحسن استخدامه. فالصفار، رغم احتوائه على الكوليسترول، يحتوي أيضًا على الليسيثين (الفوسفاتيديل كولين)، وهو مركب يلعب دورًا نشطًا في تنظيم استقلاب الدهون وتحسين حركة الكوليسترول في الجسم. كما يمد الجسم بالكولين الضروري لوظائف الخلايا العصبية والغشائية، وفيتامينات مثل «د» و«ب12». والمعيار العلمي المقبول حاليًّا هو تناول بيضة أو اثنتين يوميًّا لمعظم المرضى، شرط ألا يقترن ذلك بأطعمة عالية الدهون المشبعة أو المُصنَّعة. والأهم من الكم هو طريقة الطهي: البيض المسلوق أو المخفوق على البخار يُعدان الخيار الأمثل، بينما يُستبعد القلي العميق أو التحمير في زيوت مشبعة، لأن الضرر لا يأتي من البيض نفسه، بل من الدهون المضافة أثناء التحضير.
ثانياً: اللحوم الدهنية — خاصة الجزء الظاهر منها من الشحم الأبيض — تُعتبر من أخطر المصادر الخارجية للأحماض الدهنية المشبعة، والتي ترفع بشكل مباشر مستويات الكوليسترول الضار (LDL) وتُسهم في ترسبه على جدران الشرايين. ويجب على المصابين باضطرابات الدهون تفضيل قطع اللحم الخالية من الدهون المرئية، مع إزالة أي شحم قبل الطهي. أما اللحوم المصنعة كالسجق والبيكون واللحم المدخن، فهي مضاعفة الخطورة؛ فهي غنية بالدهون المشبعة والملح والمواد الحافظة، وتؤثر سلبًا على توازن الدهون وتزيد لزوجة الدم، ما يرفع خطر التجلطات والانسداد الوعائي.
ثالثاً: الأحشاء الحيوانية مثل الكبد والكلى والقلب تحتوي على تركيز عالٍ جدًّا من الكوليسترول — فقد تصل كمية الكوليسترول في 100 غرام من كبد البقر إلى أكثر من 300 ملغ، أي ما يعادل الحد اليومي الموصى به كاملًا. ولذلك، فإن تناولها بشكل متكرر يُعدُّ عبئًا مباشرًا على الجهاز الوعائي، ويُنصح بعدم تناولها أكثر من مرة واحدة أسبوعيًّا، إن وُجدت ضرورة غذائية. كما أن هذه الأحشاء غنية بالبورين، ما يرفع مستويات حمض اليوريك، ويُفاقم حالات اضطراب التمثيل الغذائي المتزامنة مثل النقرس أو مقاومة الإنسولين.
رابعاً: الدهون المهدرجة (الترانس)، وهي دهون صناعية تُستخدم في تصنيع الحلويات الجاهزة، والكعكات، والبسكويت، والخبز المخمّر الصناعي. وهذه الدهون لا ترفع فقط الكوليسترول الضار، بل تخفض الكوليسترول الجيد (HDL) في آنٍ واحد، وتُعزِّز الالتهاب الوعائي. وغالبًا ما تظهر في قائمة المكونات باسم «زيوت نباتية مهدرجة جزئيًّا» أو «مارجرين مهدرج»، ويجب تجنُّب أي منتج يحتوي عليها تمامًا.
خامساً: الأطعمة والمشروبات السكرية، وهي عاملٌ خفيٌّ لكنه فاعل في رفع ثلاثي الغليسيريد. فالسكر المكرر — سواء كان سكروزًا أو شراب الذرة عالي الفركتوز — يُحوَّل في الكبد إلى دهون، ويُخزَّن على شكل ثلاثي غليسيريد في الأنسجة. ومن أبرز مصادر هذا الخطر: المشروبات الغازية، والعصائر المُركَّزة، والشاي المحلى، والحلويات الصناعية. وحتى العصائر الطبيعية المُحضَّرة بدون ألياف تفقد فائدتها الوقائية، إذ تتحول الفركتوز فيها إلى دهون بسرعة أكبر من الفاكهة الكاملة.
سادساً: الكحول، الذي يُعدُّ مثبطًا مباشرًا لأكسدة الأحماض الدهنية في الكبد، ما يؤدي إلى تراكم الدهون الثلاثية ورفع مستوياتها بشكل ملحوظ. كما أن المشروبات الكحولية غنية بالسعرات الحرارية الفارغة، وغالبًا ما تُرفق بأطعمة مالحة ودهنية، ما يفاقم خطر السمنة ومقاومة الإنسولين. ولذلك، يُوصى مَن يعانون من ارتفاع الدهون في الدم بالامتناع التام عن الكحول، أو على الأقل الحد منه بشدة وفق توجيهات الطبيب.
إن إدارة اضطرابات الدهون ليست مسألة حرمان جذري، بل هي استراتيجية غذائية دقيقة تعتمد على التمييز بين ما هو مفيد وما هو ضار حقًّا. فالبيض، عند تناوله بحكمة، قد يكون جزءًا من الحل، بينما تبقى تلك الفئات الست — اللحوم الدهنية والمصنعة، والأحشاء، والدهون المهدرجة، والسكريات المكررة، والكحول — هي الأهداف الرئيسية التي يجب تجنبها بثبات. وباستبدال العادات الغذائية الخاطئة بخيارات صحية مُدروسة، يصبح من الممكن تحقيق تحسُّن ملحوظ في المؤشرات الدهنية، وحماية الأوعية الدموية على المدى الطويل، دون الحاجة إلى تعقيدات غذائية غير ضرورية.