يُخطئ الكثيرون حين يظنون أن تجنّب تناول السكريات وحده كافٍ للوقاية من داء السكري، فهذه الفكرة الشائعة تُعدّ وهمًا طبيًّا خطيرًا. فعلى سبيل المثال، سجّلت امرأةٌ كانت تلتزم بحمية غذائية صارمة وتتجنب الحلويات تمامًا، رغم ذلك تم تشخيص إصابتها بداء السكري من النوع الثاني. هذه الحالة تُبرز حقيقةً بالغة الأهمية: إن عوامل الخطر المُسهمة في الإصابة بالسكري لا تقتصر على السكر المضاف فحسب، بل تمتد إلى تفاصيل يومية يتجاهلها الكثيرون دون وعي.
أولًا: السكريات «الخفيّة» التي تتسرب إلى نظامنا الغذائي دون أن ندري
لا تظهر السكريات دائمًا بصورتها الواضحة في الأطعمة الحلوة؛ بل تكمن في أماكن غير متوقعة. فبعض البسكويت المالح، والصلصات الجاهزة (مثل الكاتشب والمايونيز)، والأطعمة المعلبة أو السريعة، تحتوي على كميات كبيرة من السكر المضاف لتحسين النكهة والقوام، رغم طعمها غير الحلو. كما أن المشروبات الغازية والعصائر الصناعية والشاي المثلج المحلى واللبن المُنكّه غالبًا ما تكون مصادر غنية جدًّا بالسكر، حتى تلك المُصنّفة بـ«خالية من السكر» قد تحتوي على محليات صناعية تؤثر سلبًا على استجابة الجسم للأنسولين مع الاستهلاك المزمن. أما بالنسبة للكربوهيدرات المعقدة — كالرز الأبيض، والمكرونة المصنوعة من الدقيق الأبيض، والخبز الأبيض — فهي تتحلل في الجهاز الهضمي إلى جلوكوز، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم. ولذلك، فإن استبدال هذه المصادر بالحبوب الكاملة (كالشوفان غير المعالج، والأرز البني، والخبز الأسمر الغني بالألياف) يُحسّن التحكم في مستويات الجلوكوز ويقلل مقاومة الأنسولين.
ثانيًا: قلة النشاط البدني وتأثيرها المباشر على وظيفة البنكرياس
يعتبر الجلوس لفترات طويلة دون حركة من أبرز العوامل المُسهمة في تطور مقاومة الأنسولين. فالجلوس أكثر من ٦ ساعات يوميًّا يُضعف قدرة الخلايا على الاستجابة للأنسولين، حتى لدى الأشخاص ذوي الوزن الطبيعي. ولذلك، يوصي خبراء الغدد الصماء بأخذ استراحة نشطة كل ساعة لمدة ٥–١٠ دقائق تتضمن مشيًا خفيفًا أو تمارين إطالة بسيطة. أما التمارين الهوائية المنتظمة — مثل المشي السريع لمدة ٣٠ دقيقة خمس مرات أسبوعيًّا، أو السباحة، أو ركوب الدراجة — فهي ترفع كفاءة استخدام الجلوكوز في العضلات وتحسّن حساسية الأنسجة للأنسولين. ولا يجوز إهمال تمارين القوة أيضًا؛ إذ تُعد العضلات أكبر مستهلك للجلوكوز في الجسم، وبالتالي فإن بناء كتلة عضلية صحية عبر تمارين المقاومة (كاستخدام الأوزان أو التمارين باستخدام وزن الجسم) يعزز التحكم في سكر الدم ويقلل خطر الإصابة بالسكري بنسبة ملحوظة.
ثالثًا: الضغوط النفسية ودورها البيوكيميائي في اضطراب التمثيل الغذائي
لا يقتصر تأثير التوتر النفسي على الصحة النفسية فقط، بل يمتد إلى آليات تنظيم الجلوكوز. ففي حالات التوتر المزمن، تفرز الغدد الكظرية هرمونات مثل الكورتيزول والأدرينالين، والتي تعمل على رفع مستويات السكر في الدم عن طريق تحفيز إنتاج الجلوكوز في الكبد وعرقلة امتصاصه في الأنسجة — وهي آلية تُعرف بـ«مقاومة الأنسولين الوظيفية». ومن جهة أخرى، فإن اضطراب النوم أو قلة مدة النوم (أقل من ٧ ساعات ليلًا) يخلّ بتناغم الهرمونات المسؤولة عن الجوع والشبع (مثل اللبتين والغريلين)، ويُضعف إفراز الأنسولين أثناء الليل، ما يزيد خطر ارتفاع سكر الصيام. وأخيرًا، فإن وجود شبكة دعم اجتماعي قوية — سواء عبر الأسرة أو الأصدقاء أو المجموعات المجتمعية — يخفف من استجابة الجسم للتوتر، ويُسهم بشكل غير مباشر في استقرار مستويات الجلوكوز عبر تحسين الالتزام بالسلوكيات الصحية.
إذن، الوقاية من داء السكري ليست مسألة «حرمان» من السكر فقط، بل هي استراتيجية شاملة تشمل تعديل النظام الغذائي ليكون غنيًّا بالألياف وقليل الدهون المشبعة، ودمج النشاط البدني في الروتين اليومي، وإدارة التوتر عبر تقنيات الاسترخاء والنوم الجيد، وبناء بيئة اجتماعية داعمة. هذه التعديلات الدقيقة، وإن بدت بسيطة، تُحدث فرقًا بيولوجيًّا عميقًا في وظائف البنكرياس والأنسجة المستهدفة للأنسولين — وهي الخطوة الأولى الحقيقية نحو حماية الجسم من هذا المرض المزمن.