يُعَدُّ البطاطس من الخضروات الشائعة في المطبخ العربي والعالمي، لكن مرضى السكري غالبًا ما يترددون في تضمينه في وجباتهم خوفًا من ارتفاع مستويات السكر في الدم. ومع ذلك، فإن هذا الجذر النشوي، عند تناوله بالطريقة العلمية المناسبة، قد يصبح جزءًا مفيدًا من النظام الغذائي لمراقبة سكر الدم — شرط أن يُراعى طريقة التحضير، والكمية، والتوافق مع العناصر الغذائية الأخرى.
أولًا: لماذا قد يكون البطاطس مفيدًا في تنظيم سكر الدم؟
يحتوي البطاطس على نوعٍ خاص من الكربوهيدرات يُسمى «النشا المقاوم»، خاصةً بعد تبريدِه بعد الطهي. وهذا النشا لا يتحلل في الأمعاء الدقيقة، بل يمر إلى القولون حيث يعمل كغذاء للبكتيريا النافعة، ويُبطئ امتصاص الجلوكوز، مما يقلل من ارتفاع السكر بعد الوجبة. ولذلك، يُوصى بتبريد البطاطس المطهية (مثل البطاطس المسلوقة أو المشوية) قبل تناولها بدلًا من تناولها ساخنة، لأن درجة الحرارة المرتفعة ترفع مؤشر نسبة السكر في الدم (GI) بشكل ملحوظ.
كما أن قشرة البطاطس غنية بالألياف الغذائية القابلة وغير القابلة للذوبان، والتي تُبطئ إفراغ المعدة وتُخفف من سرعة امتصاص السكر. ولذلك، يُنصح بطهي البطاطس مع قشرتها — سواء بالشوي أو السلق أو البخار — وتجنب تقشيرها تمامًا، ما لم تكن هناك أسباب صحية تمنع ذلك (مثل مشاكل هضمية محددة).
ثانيًا: كيف نُدخل البطاطس في الوجبة بطريقة آمنة لمرضى السكري؟
لا يكفي تناول البطاطس وحده؛ بل يجب دمجه بعناية مع عناصر غذائية أخرى لتقليل تأثيره الكلي على سكر الدم. فدمجه مع مصادر البروتين عالي الجودة مثل البيض، أو التوفو، أو الحمص، أو اللحوم الخالية من الدهن، يُخفض المؤشر الجلايسيمي الكلي للوجبة. ومن الأمثلة العملية: هريس البطاطس مع التوفو المُتبّل، أو سلطة بطاطس باردة مع الفاصولياء البيضاء والزيت النباتي غير المهدرج.
أما طريقة الطهي، فهي عامل حاسم: فالسلق، والشوي، والطهي على البخار هي أفضل الخيارات، إذ تحافظ على المحتوى الغذائي وتقلل من إضافات الدهون غير الضرورية. أما القلي العميق أو إضافته إلى الصلصات الغنية بالسكريات أو الدهون المشبعة، فيرفعان السعرات الحرارية ويُفاقمان التأثير السلبي على مقاومة الإنسولين.
ثالثًا: ما الكمية الآمنة من البطاطس في الوجبة الواحدة؟
لا يُنصح باستبدال جميع مصادر الكربوهيدرات المعقدة (كالأرز أو الخبز أو البرغل) بالبطاطس بشكل كامل. بل يُفضل استخدامه كبديل جزئي: فعلى سبيل المثال، يمكن استبدال نصف كوب من الأرز المطبوخ بكوب صغير من البطاطس المطهية (بحجم قبضة اليد للبالغ العادي). ويُراعى أن تكون الكمية المتناولة في الوجبة الواحدة لا تتجاوز حجم قبضة اليد للمريض المتوسط البنية، مع إمكانية تعديلها قليلًا حسب الوزن والنشاط البدني، مع مراقبة رد فعل الجسم عبر قياس سكر الدم قبل وبعد الوجبة.
رابعًا: ملاحظات مهمة لا تُهمَل
تتفاوت قيم مؤشر نسبة السكر في الدم بين أصناف البطاطس: فالأصناف ذات القوام الأكثر صلابة (مثل البطاطس الحمراء أو الجديدة) تميل إلى امتصاص أبطأ مقارنةً بأنواع البطاطس الناعمة أو النشوية جدًّا (مثل البطاطس الروسية). كما أن الاستجابة الفردية للكربوهيدرات تختلف من شخص لآخر، بسبب عوامل مثل العمر، ودرجة مقاومة الإنسولين، ووظائف الكبد والكلى، ونوع الأدوية أو الحقن المستخدمة. ولذلك، يُشدد الأطباء المتخصصون في الغدد الصماء والتغذية على ضرورة تجربة البطاطس تحت إشراف طبي، مع تسجيل قراءات سكر الدم قبل الوجبة وبعدها بساعتين، لتحديد الجرعة والطريقة الأنسب لكل مريض.
باختصار، البطاطس ليس «محرمًا» على مرضى السكري، بل هو غذاءٌ قابلٌ للإدماج الذكي في النظام الغذائي، شرط أن يُطبَّق علم التغذية السريرية بدقة. والمفتاح الحقيقي يكمن في التبريد بعد الطهي، والحفاظ على القشرة، والدمج الحكيم مع البروتين والألياف، والتحكم في الكميات، والمراقبة الدورية لمستويات الجلوكوز. وهذه المقاربة لا تُعزز التحكم في السكر فحسب، بل تدعم أيضًا صحة الأمعاء والميكروبيوم، وهو ما يكتسب أهمية متزايدة في إدارة مرض السكري على المدى الطويل.