في المطبخ العربي، لا تزال شرارة الطهي بالدهون الحيوانية، مثل السمن والزبدة والشحم، تحمل طابعًا تراثيًّا دافئًا. لكن في الآونة الأخيرة، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مزاعمٌ غريبة تدّعي أن «الشحم الخنزيري» (الزيت الحيواني المشتق من لحم الخنزير) قد يُسهم في تنظيم مستويات السكر في الدم، حتى بين مرضى السكري من النوع الثاني. فهل لهذه المزاعم أساس علمي؟ أم أنها مجرد همسات غير مدعومة تُروَّج في دوائر غير متخصصة؟
يُذكَر أن الشحم الخنزيري غنيٌّ بالدهون المشبعة، ويحتوي على كمية مرتفعة من الكوليسترول، إضافةً إلى سعرات حرارية عالية جدًّا (حوالي ٩ سعرات حرارية لكل غرام). ورغم أن بعض الدراسات الأولية أشارت إلى أن الدهون المشبعة قد تبطئ امتصاص الكربوهيدرات في الأمعاء — ما يؤدي إلى انخفاض مؤقت في ارتفاع السكر بعد الوجبة — فإن هذا التأثير لا يُعدّ حلاً علاجيًّا، بل قد يُعقِّد إدارة مرض السكري على المدى الطويل.
فمن الناحية الفسيولوجية، يرتبط الاستهلاك المزمن لكميات كبيرة من الدهون الحيوانية بزيادة مقاومة الأنسولين. فعندما تفقد الخلايا حساسيتها للأنسولين، يضطر البنكرياس لإفراز كميات أكبر من الهرمون لنقل الجلوكوز إلى داخل الخلايا، ما يُسرّع إرهاق خلايا بيتا المنتجة للأنسولين، ويُفاقم تطور المرض.
أما من حيث التأثير على الدهون الدموية، فيُظهر الشحم الخنزيري تأثيرًا مزدوجًا: فهو قد يرفع مستويات البروتين الدهني عالي الكثافة (HDL)، الذي يُعرف بـ«الكوليسترول الجيد»، لكنه في الوقت نفسه يرفع بشكل أكثر وضوحًا مستويات البروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL) وثلاثي الغليسيريد، خاصة لدى الأشخاص المصابين بمتلازمة التمثيل الغذائي أو ارتفاع الدهون الوراثي. وهذه التغيرات تزيد من خطر تصلُّب الشرايين وأمراض القلب الوعائية.
وبالنسبة لإدارة الوزن، فإن الكثافة الحرارية العالية للشحم الخنزيري تجعله عامل خطر مهمًّا. فملعقة واحدة صغيرة (١٥ مل) تحتوي على نحو ١٣٠ سعرة حرارية تقريبًا، أي ما يعادل مشيًا سريعًا لمدة ٢٠ دقيقة تقريبًا. كما أن النكهات الغنية التي يمنحها للطعام قد تُضعف الإحساس بالشبع، وتؤدي إلى تناول كميات زائدة دون وعي، ما يُفاقم مشكلة السمنة — وهي عامل رئيسي في تفاقم مقاومة الأنسولين.
ولا يقف التأثير عند ذلك، بل يمتد إلى جدران الأوعية الدموية نفسها: فالإفراط في الدهون المشبعة يُضعف وظيفة البطانة الوعائية (Endothelial function)، ويُحفِّز استجابة التهابية منخفضة المستوى (Low-grade inflammation)، وهي حالة معروفة بأنها تُسهم في تطور مضاعفات السكري الوعائية، مثل اعتلال الشبكية والكلى والأعصاب.
كما أظهرت أبحاث حديثة في مجال الميكروبيوم المعوي أن الأنظمة الغذائية الغنية بالدهون الحيوانية تُغيّر تركيب البكتيريا النافعة في الأمعاء، وتقلل من تنوعها، ما قد يؤثر سلبًا على التمثيل الغذائي للجلوكوز وامتصاص الدهون. كما أن الهضم المطول للدهون المشبعة يزيد العبء على المرارة والبنكرياس، وقد يؤدي إلى اضطرابات هضمية مثل الانتفاخ وعسر الهضم.
وأخيرًا، فإن التركيز المفرط على الشحم الخنزيري كـ«غذاء سحري» قد يُهمِش مصادر دهون صحية أخرى ضرورية، مثل زيت الزيتون وزيت الكانولا والمكسرات، التي تحتوي على أحماض دهنية غير مشبعة مفيدة للقلب والتمثيل الغذائي. كما أن الأطباق المُحضَّرة بالشحم غالبًا ما تفتقر إلى الخضروات الورقية والحبوب الكاملة، ما يؤدي إلى نقص في الألياف الغذائية — وهي عنصر أساسي في تنظيم امتصاص السكر وتوازن الميكروبيوم.
خلاصة القول: الشحم الخنزيري ليس «سمًّا» ولا «دواءً». وهو غذاءٌ يمكن تضمينه أحيانًا ضمن نظام غذائي متوازن ومُحسوب، لكنه لا يُوصى به كوسيلة للتحكم في السكر أو كعلاج بديل. ولمرضى السكري، فإن المفتاح يكمن في التوازن، وليس في الاستبعاد أو التمجيد. فالسؤال ليس «هل يجوز أكله؟»، بل «كميته، ووقته، وسياقه الغذائي الكلي» — وهذا ما يستدعي تقييمًا فرديًّا مع أخصائي تغذية متمرِّس وطبيب غدد صماء.