على مائدة الإفطار، تُعد البيضة المسلوقة أو المخفوقة خيارًا شائعًا لدى الملايين حول العالم؛ فهي سهلة التحضير، غنية بالعناصر الغذائية، وتوفر بروتينًا عالي الجودة. ومع ذلك، لا تزال مخاوفٌ متكررة تُطرح، خصوصًا بين كبار السن والمصابين باضطرابات الدهون في الدم: هل يؤدي تناول البيض يوميًّا إلى ارتفاع الكوليسترول في الدم؟ وهل يُثقل هذا العادةَ على الأوعية الدموية ويُفاقم خطر الأمراض القلبية الوعائية؟ في الحقيقة، هذه المخاوف تنبع غالبًا من سوء فهم لآليات استقلاب الكوليسترول في الجسم، وليس من أدلة علمية راسخة.
الحقيقة العلمية وراء علاقة البيض بالكوليسترول
أولًا: الكوليسترول الغذائي ≠ الكوليسترول في الدم. فالكوليسترول الموجود في البيض (وخاصة في الصفار) لا يتحول مباشرةً إلى كوليسترول دموي. إذ ينتج الكبد معظم الكوليسترول في الجسم (نحو 70–80%)، بينما يساهم النظام الغذائي بنسبة ضئيلة جدًّا. وفي الأشخاص ذوي الاستقلاب السليم، يُنظِّم الجسم تلقائيًّا إنتاج الكوليسترول الكبدي عند زيادة المدخول الغذائي له، مما يحافظ على توازن مستوياته في الدم. وبالتالي، فإن تناول بيضة واحدة يوميًّا لا يؤدي عادةً إلى اضطراب ملحوظ في القيم الدهنية لدى الأصحاء.
ثانيًا: الصفار ليس «عدوًّا» للقلب، بل يحتوي على مركبات ذات تأثير وقائي. فبالإضافة إلى الكوليسترول، يزخر الصفار بالليسيثين (الفوسفاتيديل كولين)، وهو مادةٌ تمتلك خاصية تذويب الدهون وتسهيل استقلابها، ما يمنع ترسب الكوليسترول على جدران الشرايين. كما يحتوي على فيتامينات الذائبة في الدهون (مثل A، D، E، K)، والسيلينيوم، والزنك، وكلها تشارك في حماية البطانة الوعائية وتقليل الالتهاب المؤكسد.
ثالثًا: الاختلاف الفردي في الاستجابة للدهون الغذائية أمرٌ موثَّق طبيًّا. فحوالي 15–25% من السكان يُصنَّفون كـ«مستجيبين عاليين»، أي أن مستويات كوليسترولهم قد ترتفع قليلًا مع زيادة تناول الكوليسترول الغذائي. أما الغالبية العظمى («مستجيبون منخفضون») فلا تتأثر قيمهم الدهنية بشكل ملحوظ. ولذلك، فإن القرار بشأن تناول البيض يجب أن يستند إلى نتائج فحوصات الدهون الدورية (مثل: الكوليسترول الكلي، البروتين الدهني منخفض الكثافة LDL، والبروتين الدهني مرتفع الكثافة HDL)، وليس إلى معلومات عامة غير مخصصة.
كم عدد البيض الآمن تناوله أسبوعيًّا؟
لدى الأشخاص الأصحاء ذوي القيم الدهنية الطبيعية، يُوصى بتناول بيضة واحدة يوميًّا — أي ما يعادل سبع بيضات أسبوعيًّا — دون قلق. وهذه الكمية توفر بروتينًا كاملًا، وفيتامينات ب المركبة، وفيتامين د، ومضادات أكسدة مثل اللوتين والزياكسانثين التي تحمي صحة العين والشرايين معًا.
أما لدى المصابين بارتفاع الكوليسترول العائلي، أو مرضى القلب التاجي، أو من لديهم تاريخ عائلي قوي لأمراض القلب، فيُنصح باستشارة أخصائي التغذية أو الطبيب لتعديل الجرعة. وقد يُوصى في هذه الحالات بتناول 3–4 بيضات أسبوعيًّا، مع إمكانية توزيعها بحيث تُؤكل بيضة كاملة كل يومين، أو الاعتماد على البياض فقط في بعض الأيام. لكن من المهم التأكيد على أن حرمان الجسم من الصفار تمامًا ليس ضروريًّا، بل قد يؤدي إلى نقص في عناصر غذائية لا يمكن تعويضها بسهولة من مصادر أخرى.
ولا يقل أهمية عن «الكمية» طريقة التحضير. فالقلي العميق أو الطهي بالزيوت المشبعة يرفع محتوى البيض من الدهون الضارة والمركبات المؤكسدة (مثل الألدهيدات)، وهي عوامل تساهم في تصلب الشرايين أكثر من الكوليسترول نفسه. أما الطرق الصحية — كالسلق، والطهي على البخار، أو تحضير أومليت خفيف بالقليل من زيت الزيتون — فهي تحافظ على القيمة الغذائية للبيض دون إضافات ضارة.
كيف نُحسّن فائدة البيض عبر التكامل الغذائي؟
إن فعالية البيض في دعم الصحة القلبية تتضاعف عند دمجه مع أطعمة غنية بالألياف الغذائية. فالألياف القابلة للذوبان (الموجودة في الشوفان، التين، التفاح، والبقوليات) ترتبط بالكوليسترول والحمض الصفراوي في الأمعاء، وتساعد على طرحهما خارج الجسم، مما يقلل إعادة امتصاص الكوليسترول. ولذلك، فإن تناول بيضة مع شريحة خبز كامل الحبوب وسلطة خضراء يُعدّ مزيجًا مثاليًّا لإدارة الدهون والسكر معًا.
كما ينبغي تجنُّب الجمع بين البيض وأطعمة غنية بالدهون المشبعة أو المهدرجة، مثل اللحوم الدهنية، والأحشاء الحيوانية، والحلويات الدسمة. فالمشكلة ليست في البيضة بحد ذاتها، بل في «الحمولة الدهنية الكلية» للوجبة. فإذا كانت الوجبة تحتوي على بيضة، فمن الأفضل تقليل الكميات الأخرى من الدهون الحيوانية، والاعتماد على مصادر دهون صحية مثل المكسرات أو زيت الزيتون.
وأخيرًا، لا توجد وجبة سحرية ولا غذاء وحيد يكفي لصحة القلب. فالتنوع هو حجر الزاوية في التغذية الوقائية. ومن الأفضل دمج البيض ضمن نظام غذائي متوازن يشمل الأسماك الدهنية، والبقوليات، واللحوم الخالية من الدهن، والمصادر النباتية للبروتين، مع الحفاظ على تنوّع في مصادر الدهون والفيتامينات. فالتوازن اليومي والتنوّع الأسبوعي هما ما يبني مقاومة الجسم للأمراض على المدى الطويل، وليس الحرمان من عنصر واحد.
إذن، الإجابة على السؤال الذي يشغل بال الكثيرين واضحة علميًّا: لا، تناول بيضة واحدة يوميًّا لا يسبب ارتفاعًا خطيرًا في الكوليسترول لدى الغالبية العظمى من الناس. بل هو خيار غذائي آمن ومفيد، بل وقد يكون ضروريًّا لدعم صحة القلب والدماغ والعضلات معًا. أما من يحتاجون إلى ضبط مدخول الكوليسترول، فالمطلوب ليس التخلّي عن البيض، بل التخطيط الذكي لطريقة تناوله، وتوقيته، ومرافقيه الغذائيين. فالصحة لا تُبنى بالحرمان، بل بالفهم الدقيق، والاختيارات الواعية، والالتزام طويل الأمد بنمط غذائي مرن ومستدام.