يُعاني كثير من الأشخاص، عند استلام تقرير الفحص الطبي الدوري، من قلقٍ شديد عند رؤية سهمٍ صاعدٍ بجانب قيمة السكر في الدم، حتى لو كانوا يعتقدون أنهم لا يتناولون كميات كبيرة من الطعام أو السكريات. والحقيقة أن توازن الأيض في الجسم يشبه ميزانًا دقيقًا جدًّا، تؤثر فيه العادات اليومية الصغيرة — غالبًا دون أن ندرك — في اتجاه الميل نحو الاختلال. فالمشكلة ليست دائمًا في وجبة واحدة دسمة، بل في الأنماط السلوكية المتكررة يوميًّا التي تُضعف تدريجيًّا قدرة الجسم على تنظيم مستويات الجلوكوز بكفاءة.
أولًا: النظام الغذائي غير المتوازن
يُعد اختيار الأطعمة المكرَّبة والفقيرة بالألياف أحد أبرز العوامل المساهمة في ارتفاع مستويات السكر في الدم. فمعظم الوجبات اليومية تعتمد على الأرز الأبيض والخبز الأبيض والمكرونة المصنوعة من الدقيق الأبيض، وهي أطعمة خضعت لعمليات تكرير حذفت منها القشور الغنية بالألياف والفيتامينات والمعادن. ونتيجة لذلك، تتحول هذه الكربوهيدرات بسرعة إلى جلوكوز في الدم، ما يؤدي إلى ارتفاع حاد ومفاجئ بعد الوجبة — ويُعرف هذا باسم «الذروة الجلوكوزية». وتكرار هذه الحالة يثقل كاهل البنكرياس، الذي يُفرز الإنسولين باستمرار لمواجهة هذه الارتفاعات، فيُضعف قدرته التدريجية على الاستجابة.
كذلك، يُهمِل كثير من الناس تناول الخضروات بكميات كافية، رغم أنها تحتوي على ألياف غذائية تبطئ إفراغ المعدة وامتصاص السكر في الأمعاء، مما يُسهم في تثبيت مستويات الجلوكوز. أما الإفراط في المشروبات السكرية — مثل العصائر المعلَّبة والمشروبات الغازية ومشروبات الشاي بالحليب المحلاة — فهي تُشكِّل خطرًا كبيرًا؛ لأن السكر فيها يدخل الدم مباشرة دون حاجة لهضم معقد، فيرفع مستويات الجلوكوز فورًا، ويزيد من خطر مقاومة الإنسولين، وهي المرحلة التمهيدية الأساسية لتطور مرض السكري من النوع الثاني.
ثانيًا: قلة النشاط البدني المزمنة
أصبح الجلوس لفترات طويلة سمة بارزة في حياة الكثيرين، سواء في أماكن العمل أو أثناء أوقات الفراغ. ومع ذلك، فإن العضلات هي أكبر مستهلك للجلوكوز في الجسم، وعندما تبقى غير نشطة لساعات متواصلة، تنخفض قدرتها على امتصاص السكر من الدم، فيتراكم الجلوكوز في الدورة الدموية. كما أن الاعتقاد الخاطئ بأن «الرياضة الحقيقية» تتطلب جلسات مكثفة في الصالات الرياضية يُهمِّش أهمية النشاط البدني المنتشر خلال اليوم، مثل المشي بعد الوجبات أو استخدام السلالم بدل المصعد أو القيام بالأعمال المنزلية، وهي أنشطة تُثبت الدراسات فعاليتها في تثبيت السكر بعد الأكل.
وبمرور الوقت، وبخاصة مع التقدم في العمر أو غياب التمارين المقاومة، تنخفض كتلة العضلات تدريجيًّا. وهذه الكتلة ليست مجرد أداة للحركة، بل تعمل كـ«مخزن طبيعي للجلوكوز»، حيث تُخزَّن فيه على هيئة جليكوجين. وكلما قلَّت كتلة العضلات، ضعفت قدرة الجسم على التحكم في مستويات السكر، ما يجعل نظام التحكم الأيضي أكثر هشاشة.
ثالثًا: اضطراب النوم وخلل الإيقاع الحيوي
يُنظَّم إفراز الهرمونات المسؤولة عن تنظيم السكر — كالإنسولين والغلوكاجون والكورتيزول — وفق إيقاع يومي دقيق. وعند اضطراب هذا الإيقاع بسبب السهر المزمن أو عدم انتظام أوقات النوم، يزداد إفراز الهرمونات المرتفعة للسكر ليلاً، بينما تنخفض حساسية الأنسجة للإنسولين نهارًا. وهذا الخلل الهرموني يُضعف التحكم في الجلوكوز بشكل مباشر.
كما أن قلة النوم أو انخفاض جودته تُحفِّز الجهاز العصبي على إفراز هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول، التي تُعاكس عمل الإنسولين وتُرفع مستويات السكر في الدم. وقد أظهرت دراسات سريرية أن الأشخاص الذين ينامون أقل من 6 ساعات يوميًّا يواجهون خطرًا أعلى بنسبة تصل إلى 40% لتطوير اضطرابات سكر الدم مقارنةً بمن يحصلون على نوم كافٍ وجودة عالية.
ولا يُستهان أيضًا باضطرابات التنفس أثناء النوم، مثل توقف التنفس الانسدادي النومي، خاصة لدى ذوي الوزن الزائد. فالتوقف المتكرر في التنفس يؤدي إلى نقص أكسجين مزمن، ما يُسبب التهابًا في بطانة الأوعية الدموية ويُفاقم مقاومة الإنسولين، ما يجعل هذه الحالة عامل خطر مستقل لمرض السكري.
رابعًا: الضغط النفسي المزمن
يُحفِّز التوتر المستمر إطلاق هرمونات «الاستجابة للطوارئ» مثل الأدرينالين والكورتيزول، والتي ترفع مستويات السكر لتوفير طاقة فورية للجسم. لكن عندما يصبح هذا التوتر مزمنًا، يبقى السكر مرتفعًا باستمرار، ما يُجهد البنكرياس ويُضعف استجابة الأنسجة للإنسولين.
كما أن الاضطرابات النفسية مثل القلق والاكتئاب قد تُغيِّر أنماط التغذية، فتدفع الشخص إلى «الأكل العاطفي»، أي تناول الأطعمة عالية السكر والدهون للحصول على راحة مؤقتة، ما يزيد من العبء الأيضي. وفي المقابل، تؤثر هذه الحالات سلبًا على جودة النوم، مُشكِّلة حلقة مفرغة تُفاقم خطر اضطرابات التمثيل الغذائي.
وبغياب آليات الاسترخاء الفعالة — مثل التأمل أو التنفس العميق أو ممارسة الهوايات المهدئة — يبقى الجهاز العصبي في حالة تهيُّج دائم، ما يُعيق التوازن الهرموني ويُضعف وظائف الغدد الصماء، وهو ما يجعل إدارة الضغوط النفسية جزءًا أساسيًّا من الوقاية من السكري.
خامسًا: سوء إدارة الوزن وزيادة الدهون الحشوية
لا يكفي الاعتماد على مؤشر كتلة الجسم (BMI) فقط؛ فالخطر الحقيقي يكمن في توزيع الدهون، خصوصًا تراكمها في منطقة البطن. فالدهون الحشوية — تلك التي تحيط بالأعضاء الداخلية — نشيطة بيولوجيًّا، وتُفرز مواد التهابية تُعطِّل إشارات الإنسولين، ما يُعتبر سببًا رئيسيًّا في مقاومة الإنسولين.
كذلك، فإن التقلبات الكبيرة في الوزن، المعروفة بظاهرة «كرة الثلج» (الرجيم ثم الانتكاس)، تُضرّ بالخلايا الدهنية وتُغيِّر وظائفها، فتصبح أكثر عرضة لإطلاق السيتوكينات الالتهابية، ما يُضعف حساسية الأنسجة للإنسولين. ولذلك، فإن الاستقرار في الوزن — حتى لو كان ضمن المدى المتوسط — أفضل صحيًّا من التخسيس المتكرر والانتكاس.
أما محيط الخصر فهو مؤشر حيوي لا يُستهان به: فعندما يتجاوز 94 سم لدى الرجال أو 80 سم لدى النساء، يرتفع خطر الإصابة بالسكري بشكل ملحوظ، حتى لو بدا مؤشر كتلة الجسم طبيعيًّا. وكثير من الأشخاص لا يقيسون محيط الخصر أبدًا، فيفوتهم التدخل المبكر الذي قد يمنع تطور المرض.
إن ظهور ارتفاع السكر في الفحوص الروتينية ليس حدثًا مفاجئًا، بل هو نتيجة تراكمية لسلسلة من العوامل السلوكية التي تتفاعل مع بعضها على مدى سنوات. ولذلك، فإن الوقاية من السكري لا تتطلب تغييرات جذرية أو مفاجئة، بل تبدأ بخطوات بسيطة ومستدامة: مثل استبدال نصف حصة الأرز الأبيض بالشوفان أو البرغل، أو إضافة خمس دقائق مشي بعد كل وجبة، أو النوم قبل منتصف الليل بربع ساعة يوميًّا. فالصحة ليست هدفًا بعيد المنال، بل هي ثمرة اختيارات يومية واعية — وبيديك أن تبني درعًا وقائيًّا قويًّا ضد اضطرابات السكر، وتتمتع بحياة خفيفة ومتوازنة.