كيف تُحدَّد أسباب انقطاع الطمث؟
يُعَدّ انقطاع الطمث (الحيض) ظاهرة طبية تثير قلقًا كبيرًا لدى النساء، خصوصًا عند حدوثه قبل سن اليأس الطبيعي أو خارج السياقات الفسيولوجية المقبولة. ورغم أن غياب الدورة الشهرية لثلاثة أشهر متتالية يُشكّل
يُعَدّ انقطاع الطمث (الحيض) ظاهرة طبية تثير قلقًا كبيرًا لدى النساء، خصوصًا عند حدوثه قبل سن اليأس الطبيعي أو خارج السياقات الفسيولوجية المقبولة. ورغم أن غياب الدورة الشهرية لثلاثة أشهر متتالية يُشكّل الحد الأدنى لتشخيص «الانقطاع الثانوي»، فإن التمييز بين الأسباب الكامنة يتطلب تقييمًا سريريًّا دقيقًا لا يقتصر على التاريخ المرضي والفحص الجسدي فحسب، بل يشمل أيضًا تحاليل هرمونية مُوجَّهة واختبارات تصويرية عند الحاجة.
من أبرز الأسباب الوظيفية غير العضوية: الإجهاد النفسي الشديد، وفقدان الوزن المفاجئ أو المفرط، واضطرابات الأكل مثل فقدان الشهية العصبي أو النهام العصبي، وكذلك ممارسة الرياضة بدرجة مفرطة — وهي عوامل قد تؤدي إلى خلل في محور الوطاء-النخامية-المبيض، ما يُسبب انخفاض إفراز الهرمون المطلق لموجهة الغدد التناسلية (GnRH)، وبالتالي تراجع مستويات الهرمون الملوتن (LH) والهرمون المنبه للجريب (FSH)، مع استمرار ارتفاع البرولاكتين في بعض الحالات.
أما الأسباب العضوية,则 تشمل أمراض الغدة الدرقية — سواء فرط نشاطها أو قصورها — التي تؤثر بشكل مباشر على تنظيم الدورة، وكذلك اضطرابات المبايض مثل متلازمة تكيس المبايض (PCOS)، التي تتميز بارتفاع الأندروجينات وخلل في التبويض. كما يُعدّ قصور المبيض المبكر (POI) سببًا جوهريًّا، ويُشخص عندما تظهر أعراض انقطاع الطمث قبل سن ٤٠ عامًا، مع ارتفاع ملحوظ في مستويات FSH في بلازما الدم أكثر من ٢٥ وحدة/مل في عينتين منفصلتين بفاصل ٤ أسابيع.
ولا يجوز إهمال الأسباب التشريحية مثل تشوهات الرحم الخلقية، أو التصاقات بطانة الرحم (متلازمة أشرمان)، أو وجود أورام نخامية — كالأورام البرولاكتينية — التي تُحفِّز إفراز البرولاكتين وتثبط التبويض. كما يجب استبعاد الحمل أولًا بأول، حتى في حال وجود وسائل منع حمل أو اضطرابات دورية سابقة، إذ يبقى الحمل السبب الأكثر شيوعًا للانقطاع الثانوي.
وبالتالي، فإن التشخيص الدقيق لا يعتمد على ملاحظة غياب الدورة فقط، بل على تحليل شامل يدمج بين السياق السريري، والنتائج المخبرية، والبيانات التصويرية (مثل التصوير بالرنين المغناطيسي للرأس عند الاشتباه في ورم نخامي، أو السونار الترجيقي للحوض لتقييم البنية الرحمية والمبيضية). ويُعدّ التدخل المبكر ضروريًّا ليس فقط لاستعادة الخصوبة عند الراغبات في الإنجاب، بل أيضًا لمنع المضاعفات طويلة الأمد مثل هشاشة العظام وزيادة خطر الأمراض القلبية الوعائية المرتبطة بنقص الاستروجين المزمن.