في أقسام الزيوت والحبوب بمحال السوبرماركت اليوم، تزدحم الرفوف بأنواع لا تحصى من الزيوت النباتية: زيت الذرة، وزيت بذور عبّاد الشمس، وزيت الزيتون، وغيرها. أما شحم الخنزير — الذي كان يوماً محور المطبخ العربي والأسيوي، ورمزاً للغذاء الغني والمشبع — فقد انحسر في الزوايا، بل وندر وجوده تماماً في مطابخ جيل الشباب. ففي العقود الماضية، كان غلي قدرٍ من الشحم الأبيض العطري في المناسبات والأعياد حدثاً ينتظره الكثيرون بلهفة، إذ اعتبره الناس مصدراً ممتازاً للطاقة، ومُحسِّناً لطعم الأطباق بشكل لا يُضاهى. أما اليوم، فقد تحول هذا الشحم إلى رمزٍ للغذاء «غير الصحي» عند كثيرين، بل وانتشر بين العامة مقولةٌ مثيرة للجدل تقول: «ملعقة واحدة من شحم الخنزير تساوي خمسة أدوية». فما السبب في هذه القطيعة الغذائية بين جيلين؟ هل هي تقدّم حقيقي في الوعي الصحي؟ أم أننا نحمل تصورات خاطئة عن مكوّنٍ تقليديٍّ غنيٍّ بخصائصه الفريدة؟
لماذا كان شحم الخنزير يُعد «كنزاً غذائياً» في الماضي؟
أولاً، كان مصدر طاقة حيوياً في فترات النقص الغذائي: ففي الحقب التي كانت فيها الموارد الغذائية محدودة، وكان العمل الجسدي الشاق هو القاعدة، قدّم شحم الخنزير كثافة حرارية عالية جداً، مما ساعد العمال والزرّاع على تحمل الجوع والبرد، وجعل وجبة الأرز المخلوط بالشحم ليست مجرد طبق لذيذ، بل ضرورة فسيولوجية لاستمرار النشاط اليومي. وهذه الذاكرة الجماعية ما زالت عميقة في أذهان كثير من كبار السن.
ثانياً، له خصائص طهي لا تُستبدل: فرائحته المميزة وقوامه عند التسخين تمنح الأطباق نكهةً غنيةً لا تُحققها الزيوت النباتية، خاصةً في تحضير الخضروات المقلية أو المعجنات التقليدية مثل الكعك الهش والمعجّنات المقرمشة. فالشحم يُعزّز النكهة الأصلية للمكونات، ويُعطي القوام المطلوب للحلويات، ما جعله ركيزةً لا غنى عنها في التراث الغذائي.
ثالثاً، استندت ثقافته الاستهلاكية إلى تجارب شعبية مُجرّبة: ففي غياب الخدمات الطبية الحديثة، ارتبط شحم الخنزير بفوائد ملاحظة عملياً، مثل تليين الأمعاء وتخفيف جفاف الجلد في فصل الشتاء. وهذه الملاحظات، وإن كانت غير مدعومة بدراسات سريرية آنذاك، انتقلت عبر الأجيال كجزء من الحكمة الغذائية الشعبية.
أما أسباب تراجع استهلاكه اليوم فهي ثلاثة رئيسية:
أولاً، تغيّر جذري في تركيب النظام الغذائي: فبينما كان النقص في الدهون والبروتين سائداً سابقاً، أصبح الإفراط في تناول الدهون الحيوانية اليوم ظاهرة شائعة، بسبب توفر اللحوم والألبان والبيض بكثرة. وبالتالي، فإن إضافة شحم الخنزير باستمرار ترفع إجمالي استهلاك الدهون إلى مستويات تتجاوز الاحتياجات اليومية، ما يشكّل عبئاً على الكبد والجهاز القلبي الوعائي.
ثانياً، المخاوف العلمية المرتبطة بصحة القلب والأوعية الدموية: فأظهرت الدراسات الحديثة أن شحم الخنزير يحتوي على نسبة مرتفعة من الأحماض الدهنية المشبعة، والتي ترتبط عند الإفراط في تناولها بارتفاع كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL)، وهو ما يُعد عاملاً خطيراً في تطور تصلّب الشرايين وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب التاجية. ولذلك، تنصح الجمعيات الطبية والتغذوية العالمية بتقليل استهلاك الدهون المشبعة، والاعتماد على الزيوت النباتية الغنية بالأحماض الدهنية غير المشبعة، مثل زيت الزيتون وزيت الجوز.
ثالثاً، التحوّل في نمط الحياة: فمع انتشار نمط الحياة الخامل، وانخفاض معدلات النشاط البدني مقارنةً بأجيال سابقة، لم تعد الحاجة إلى كثافة حرارية عالية أمراً ضرورياً. وبقاء عادات الطهي الغنية بالشحم دون تعديل يؤدي إلى تراكم الدهون وزيادة الوزن، ما يجعل اختيار زيوت أقل كثافة حرارية أمراً منطقياً من منظور الوقاية من السمنة والأمراض المرتبطة بها.
لكن هل يعني ذلك أن شحم الخنزير «سمّ قاتل» يجب تجنبه تماماً؟
بالطبع لا. فالعلم لا يُجرّم أي مكوّن غذائي بشكل مطلق، بل يركّز على الجرعة والسياق. فشحم الخنزير يحتوي أيضاً على أحماض دهنية أحادية غير مشبعة، وفيتامينات ذائبة في الدهون مثل فيتامين (أ) وفيتامين (د)، ما يجعله مصدراً غذائياً ذا قيمة في حدود معقولة. وللأشخاص الأصحاء، ذوي الأيض السليم، والذين يمارسون نشاطاً بدنياً منتظماً، لا يشكل تناوله المتقطع أي خطورة صحية تُذكر — شرط ألا يكون الخيار الوحيد أو المهيمن في مطبخهم.
أما الفئات ذات المخاطر الصحية المرتفعة — كالمرضى المصابين بفرط شحوم الدم، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب التاجية، أو كبار السن، أو أصحاب الوزن الزائد — فعليهم بالفعل تقييد استهلاك الشحم بدقة، والاعتماد على الزيوت النباتية الصحية كخيار أول، لما لها من تأثير وقائي موثق على صحة الأوعية الدموية.
والحكمة الغذائية تكمن في التوازن لا في التطرف: فيمكن الاعتماد على الزيوت النباتية في معظم عمليات الطهي اليومية، مع استخدام كميات محدودة من شحم الخنزير في حالات محددة — مثل إعداد معجنات تقليدية أو تحمير أطباق تحتاج إلى نكهة مميزة — بحيث لا يتجاوز مجموع الدهون المشبعة المتناولة يومياً الحد الموصى به (أقل من 10% من إجمالي السعرات الحرارية). كما ينبغي الانتباه إلى درجة حرارة القلي، وتجنب إعادة تسخين الزيوت أو استخدامها لفترات طويلة، لأن ذلك يُنتج مركبات ضارة مثل الألدهيدات والمواد المسرطنة.
إن التحوّل من مقولة «ملعقة شحم تساوي خمسة أدوية» إلى حالة «الخوف من الشحم» ليس انقلاباً في طبيعة المكوّن نفسه، بل هو انعكاسٌ لتطور احتياجات الإنسان وظروف حياته. فشحم الخنزير ليس «جيداً» أو «سيئاً» بذاته، بل هو مورد طبيعي يكتسب معناه من السياق: كان كنزاً في زمن النقص، وهو اليوم عنصرٌ يتطلب وعياً وتدبيراً في زمن الوفرة. والحل الأمثل ليس الرفض الأعمى ولا التمسك العقيم، بل التقييم الشخصي الدقيق: فكل إنسانٍ يعرف جسده، ويعرف ظروفه الصحية، ويختار وفقاً لذلك. فالمفتاح الحقيقي للصحة لا يكمن في اتباع الموضات الغذائية، بل في بناء نظام غذائي مرن، مبني على الفهم العلمي، ومراعاة للواقع الفردي.