تخيل معي طبقًا من كباب الضأن العطري، أو ضلوع الضأن المحمّصة الذهبيّة التي لا تزال تنبعث منها فقاعات دهنية وصوت أزيز خفيف... فتتناول ثلاث أسياخ متتالية، ثم تفكر في طلب طبق إضافي! لكنك قد سمعتَ تحذيراتٍ متكرّرةً على الإنترنت تصف لحم الضأن بـ«قاتل القلب»، وتربط استهلاكه المفرط بالإصابة بأمراض الشريان التاجي، فتتوقف ممسكًا الملعقة في الهواء متردّدًا. فهل يُعد لحم الضأن حقًّا خطرًا صحّيًّا بهذا الشكل؟ وهل تبرّر البيانات العلمية هذه المخاوف؟
أولًا: ما العلاقة الحقيقية بين لحم الضأن وأمراض الشريان التاجي؟
أظهرت دراسات قائمة على ملاحظة سكانية شملت نحو ١٠٠ ألف شخص أن ارتباط استهلاك لحم الضأن بأمراض القلب ليس علاقة سببية مباشرة، بل مجرد ارتباط إحصائي قد يتأثر بعدة عوامل مشوشة. فعلى سبيل المثال، تبيّن أن بعض المجتمعات الرعوية التي تعتمد لحم الضأن كغذاء رئيسي يومي لا تسجّل معدلات مرتفعة نسبيًّا من أمراض الشريان التاجي، مما يشير إلى أن العوامل الوراثية والنشاط البدني ونمط الحياة العام قد تلعب دورًا أكبر من نوع اللحوم وحدها.
أما فيما يتعلّق بالكمية، فقد حددت إحدى الدراسات حدًّا تحذيريًّا عند ستة طلبات أسبوعيًّا من لحم الضأن، لكن هذا الرقم لا يأخذ في الاعتبار طريقة الطهي أو مكوّنات الوجبة الكاملة. فمثلاً، لحم الضأن المسلوق أو المشوي ببطء في الفرن يختلف جذريًّا من الناحية الكيميائية الحيوية عن اللحم المشوي مباشرةً على الفحم، حيث ينتج الأخير مركبات مسرطنة مثل الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs) ومادة الأكريلاميد، والتي ترتبط بزيادة خطر الالتهابات والأمراض القلبية الوعائية.
ومن المهم التذكير بأن هذه الدراسات «الملاحظية» لا يمكنها إثبات السبب والنتيجة، بل تكشف فقط عن وجود ارتباط محتمل. فالأشخاص المصابون بأمراض الشريان التاجي غالبًا ما يجمعون بين عدة عوامل خطر أخرى مثل التدخين، والسمنة، وقلّة النشاط البدني، وارتفاع ضغط الدم — وكلها قد تكون أكثر تأثيرًا من استهلاك لحم الضأن وحده.
ثانيًا: لماذا يظل لحم الضأن غذاءً قيّمًا من الناحية التغذوية؟
يُعد لحم الضأن مصدرًا ممتازًا للبروتين عالي الجودة، إذ يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية بنسبة متوازنة، كما أن قابليته للهضم والامتصاص أعلى من البروتينات النباتية، خاصةً لدى كبار السن أو المصابين بفقر الدم الناجم عن نقص الحديد. ويتميز لحم الضأن باحتوائه على «الحديد الهيموزي» الذي تمتصه الأمعاء بكفاءة تفوق الحديد غير الهيموزي الموجود في الخضروات.
وبالرغم من احتوائه على نسبة مرتفعة نسبيًّا من الدهون المشبعة، فإن لحم الضأن يحتوي أيضًا على حمض «اللاينوليك المقترن» (CLA)، وهو حمض دهني غير مشبع معروف بقدرته على تنظيم مستويات الكوليسترول الضار (LDL) وتحسين حساسية الأنسولين. كما تتفاوت محتويات الدهون بشكل كبير بين أجزاء الذبيحة: فلحم الفخذ أو الساق يحتوي على أقل من ٥٪ دهون، بينما قد تصل نسبة الدهون في الأضلاع أو البطن إلى أكثر من ٢٠٪.
أما من الناحية الدقيقة، فيُصنّف لحم الضأن من أغنى المصادر الطبيعية بالزنك، وهو معدن أساسي لصحة الجهاز المناعي وتجدد الخلايا، كما أنه غنيٌّ بمجموعة فيتامينات «ب» المعقدة — لا سيما فيتامين B12 وبيريدوكسين (B6) — التي تشارك كإنزيمات مساعدة في عمليات الأيض الخلوي وإنتاج الطاقة، وهي فائدة غالبًا ما تُهمَل في النقاشات العامة حول لحوم الأغنام.
ثالثًا: كيف تتناول لحم الضأن بأمان دون التضحية بالطعم أو الصحة؟
الخطوة الأولى هي التحكم في الكمّية: يُوصى بأن لا يتجاوز حجم الحصة الواحدة من لحم الضأن حجم كف اليد (حوالي ٨٠–١٠٠ غرام)، مع التركيز على الأجزاء الخالية نسبيًّا من الدهون مثل الفخذ أو الصدر. ويُنصح دائمًا بمرافقة الوجبة بكميات وافرة من الخضروات الورقية الداكنة كالسبانخ أو الملوخية، لأن الألياف الغذائية فيها تساعد في تقليل امتصاص الدهون والكوليسترول في الأمعاء.
أما طريقة الطهي، فهي عامل حاسم: يجب تجنّب الشوي المباشر على النار المكشوفة أو الفحم، والاستعاضة عنه بالطهي البطيء مثل الغلي أو الطهي في القدر المغلق (التنغ)، أو السلق، أو حتى الشوي على صفيحة معدنية في فرن معتدل الحرارة. كما يُفضّل استخدام التوابل الطبيعية كالثوم والبصل والزنجبيل والكزبرة بدلًا من الصلصات المالحة أو الغنية بالسكريات والدهون المكررة.
وأخيرًا، لا ينبغي اعتبار لحم الضأن الخيار الوحيد أو الرئيسي للبروتين الحيواني. بل يُنصح بإدراجه ضمن خطة غذائية متوازنة تشمل التنوّع بين مصادر البروتين: كالأسماك الغنية بأوميغا-٣، والدواجن منخفضة الدهون، والبقوليات. ويُوصى بأن لا يتجاوز إجمالي استهلاك اللحوم الحمراء (بما فيها الضأن والبقر ولحم الخنزير) ٣٠٠–٥٠٠ غرام أسبوعيًّا، مع تخصيص الجزء الأكبر من البروتين الحيواني للأسماك والدواجن.
إذن، ليست المسألة اختيارًا قسريًّا بين المتعة والصحة، بل هي مسألة ذكاء غذائي. فلا داعي للتخلّي عن لحم الضأن تمامًا، بل اجعله جزءًا مدروسًا من نظامك الغذائي، مصحوبًا بالوعي بطريقته وكميته ومحيطه الغذائي. فها أنت الآن تستطيع أن تتناول تلك القطعة الشهية من الضأن بكل اطمئنان — شرط أن ترفقها بطبق من السبانخ المخلل أو المسلوق، لتتكامل الفائدة وتتآزر المكونات.