أصبحت حكاية عائلة صينية تضم ثلاثة أفراد، تم تشخيص إصابتهم بسرطان البنكرياس بعد استهلاكهم المطول للزلابية المنزلية (الونتون)، محور اهتمام واسع في وسائل التواصل الاجتماعي. وقد أثار هذا الخبر قلقاً كبيراً بين الجمهور، لا سيما أن الزلابية تُعتبر من الأطباق التقليدية اللذيذة والآمنة ظاهرياً. لكن ما الحقيقة الطبية وراء هذه المزاعم؟ وهل هناك رابطٌ فعليٌّ بين طريقة تحضير الزلابية المنزلية وزيادة خطر الإصابة بسرطان البنكرياس؟
في الواقع، لا توجد دراسات سريرية أو أدلة علمية تثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين تناول الزلابية ذاتها وحدوث سرطان البنكرياس. ومع ذلك، فإن بعض العادات الغذائية المرتبطة بإعدادها في المنزل قد تشكل عوامل خطر مساعدة، خاصة عند التكرار المزمن وغياب التوازن الغذائي. ويُعد البنكرياس غدة حساسة للغاية، تشارك في هضم الطعام وإفراز الإنسولين، وتتأثر سلباً بالحميات الغنية بالدهون المشبعة، والمملحة بشكل مفرط، أو الملوثة بمسببات الالتهاب.
أول هذه العوامل هو تركيبة الحشوة: فاللحم المفروم المنزلي غالباً ما يحتوي على نسب مرتفعة من الدهون المشبعة، خصوصاً عند استخدام قطع لحم غير متوازنة من حيث النسبة بين اللحم الخالي من الدهن والدهني. كما أن إضافات مثل الصويا صوص، مرق المحار، ومسحوق الدجاج ترفع محتوى الصوديوم بشكل كبير، ما يُجهد البنكرياس في معالجة الأغذية عالية الضغط الأسموزي، ويُضعف وظائفه التنظيمية على المدى الطويل.
وثاني العوامل المقلقة هو طريقة التخزين: فالتجميد المتكرر وإعادة التذويب للكميات الكبيرة من الحشوة يُهيئ بيئةً مواتية لتراكم البكتيريا والسموم الميكروبية، ما قد يؤدي إلى التهابات مزمنة في الجهاز الهضمي. وهذه الالتهابات المستمرة تُعد من العوامل المؤهبة لحدوث تغيرات خلوية غير طبيعية في أنسجة البنكرياس، وهي خطوة أولى محتملة نحو التسرطن.
أما ثالث هذه العوامل فهو إعادة استخدام زيت القلي: فاستخدام الزيوت التي خضعت لدرجات حرارة مرتفعة عدة مرات يؤدي إلى تكوّن مركبات سامة مثل الألدهيدات والأكريلاميد، والتي أظهرت الدراسات أنها قادرة على إحداث تلف في الحمض النووي للخلايا البنكرياسية، وتعزيز عمليات التكاثر غير المنضبط.
ولكن الخبر الجيد هو أن الاستمتاع بالزلابية يمكن أن يكون آمناً تماماً إذا طُبقت مبادئ التغذية الصحية. فالمفتاح يكمن في «معادلة الحشوة الثلاثية»: أن تشكّل اللحوم الخالية من الدهن أكثر من ٥٠٪ من الحشوة، مع دمج خضروات غنية بالألياف مثل الفطر المجفف والكرفس، بالإضافة إلى الجزر الذي يضيف حلاوة طبيعية ويُبطئ ارتفاع مستويات السكر في الدم. أما العجين، فيُفضّل خلط الدقيق الأبيض مع كمية مناسبة من دقيق القمح الكامل لزيادة محتوى الألياف وتحسين الاستجابة السكرية.
كذلك يجب تجنّب التحضير المسبق لكميات كبيرة؛ فالحشوة تُخلط وتُحشى فور الاستخدام، وإذا اقتضى الأمر التجميد، فيجب تقسيم الكميات إلى أجزاء صغيرة، واستهلاكها خلال أسبوع واحد كحد أقصى. أما مرق الزلابية، فيُوصى باستبدال المرق الدسم الغني بالدهون والملح، بمرق خفيف مُحضّر من عشب الكومبو أو الفطر، مع إضافات نهائية مثل الطحالب البحرية (النوري) وقشور الروبيان المجففة، فهي تعزز النكهة دون إثقال الجهاز الهضمي أو زيادة العبء على البنكرياس.
في الختام، لا تُلام الأطعمة نفسها، بل طريقة التعامل معها. فالوعي الغذائي ليس حرماناً، بل هو اختيار ذكي يُخفف الحمل عن أعضائنا الحيوية، ويمنح البنكرياس فرصةً أفضل للعمل بكفاءةٍ طويلة الأمد. فكل وجبة متوازنة هي استثمارٌ في صحة الغدد الصماء والهضم — وليس مجرد تلبية للشهية.