انتشر مؤخرًا في وسائل التواصل الاجتماعي خبرٌ مُضلِّل يدّعي أن التخلّي عن الفول السوداني والبيض يؤدي إلى انخفاضٍ فوريٍّ ومفاجئٍ في مستويات الكوليسترول في الدم، ما أثار بلبلةً واسعة بين الجمهور. وانقسم المتابعون بين من رأى في الخبر «حلًّا سحريًّا»، ومن اعتبره تبسيطًا خطيرًا لمسألة طبية معقَّدة. والحقيقة العلمية أبعد ما تكون عن هذه الادعاءات المطلقة: فالكوليسترول ليس كتلة واحدة متجانسة، ولا يمكن التعامل معه عبر حظر أو إدراج غذائي آني.
الكوليسترول: لا وجود لـ«الكوليسترول السيئ» أو «الجيد» بمعزل عن السياق الحيوي
أولاً، يجب التمييز بين نوعَي الكوليسترول الرئيسيين اللذين يحملهما البروتين الدهني في الدم: البروتين الدهني عالي الكثافة (HDL)، الذي يُعرف غالبًا بـ«الكوليسترول الجيد»، لأنه ينقل الكوليسترول الزائد من جدران الشرايين إلى الكبد للتخلص منه؛ والبروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL)، الذي يُصنَّف أحيانًا بـ«الكوليسترول الضار» لأنه قد يتراكم في الجدران الشريانية مُشكِّلاً لويحات تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. لكن هذا التصنيف لا يعني أن ارتفاع HDL دائمًا مفيد، أو أن انخفاض LDL دائمًا مرغوب دون اعتبار للسياق السريري والوراثي والسلوكي للمريض.
ثانياً، مصدر الكوليسترول في الجسم ليس غذائيًّا بالدرجة الأولى: إذ ينتج الكبد نحو 70–80% من الكوليسترول في الجسم، بينما يساهم النظام الغذائي بنسبة ضئيلة نسبيًّا — ما يفسِّر لماذا يُظهر بعض الأشخاص الذين يتناولون كميات كبيرة من الدهون المشبعة مستويات طبيعية من الكوليسترول، بينما يعاني آخرون من ارتفاعٍ واضحٍ رغم اتباعهم حمية نباتية صارمة.
ثالثاً، العامل الوراثي هو المحرك الأساسي في كثيرٍ من الحالات، خاصة في اضطرابات استقلاب الكوليسترول الوراثية مثل فرط كوليسترول الدم العائلي، حيث يكون إنتاج LDL مفرطًا بغض النظر عن النظام الغذائي أو نمط الحياة.
الفول السوداني والبيض: ضحيتان غير مبرَّرتين في حملة «الإلغاء الغذائي»
الفول السوداني ليس مجرد مصدر للدهون، بل هو غذاء غني بالدهون غير المشبعة الأحادية والمتعددة، والتي تشكل نحو 80% من محتواه الدهني. وقد أثبتت الدراسات السريرية أن استهلاك الفول السوداني بكميات معتدلة (حوالي 30 غرامًا يوميًّا) يرتبط بتحسين نسبة LDL إلى HDL، وتقليل الالتهاب الجهازي، ودعم صحة البطانة الوعائية — شرط أن يكون مُحضَّرًا بدون إضافات (مثل التحميص بالزيوت المهدرجة أو التحلية المفرطة).
أما البيض، فقد خضع لعملية «تأهيل غذائي» علميٍّ دقيقة خلال العقد الماضي. فأظهرت أبحاث متعددة أن استهلاك بيضة أو اثنتين يوميًّا لا يؤثر سلبًا على مستويات الكوليسترول لدى غالبية البالغين الأصحاء. ويُعزى ذلك جزئيًّا إلى احتواء صفار البيض على الليسيثين (الليسيتين)، وهو فوسفوليبيد يعمل كعامل تثبيت طبيعي يحد من امتصاص الكوليسترول في الأمعاء. كما أن الصفار مصدر غني بفيتامين د، والكولين الضروري لوظائف الدماغ والكبد، واللوتين والزياكسانثين اللذين يحميان صحة العين.
والجدير بالذكر أن طريقة التحضير هي العامل الحاسم: البيض المسلوق أو المخفوق دون زيوت مكررة يختلف تمامًا عن البيض المقلي في زيت نباتي مهدرج أو المضاف إليه كميات كبيرة من الملح أو الجبن المُشبَّع بالدهون.
استراتيجية خفض الكوليسترول: التغيير الذكي لا الحظر الأعمى
النهج العلمي الفعّال لا يرتكز على «حذف» أطعمة محددة، بل على «الاستبدال الذكي»: مثل استبدال اللحوم الحمراء الدهنية بالأسماك الدهنية الغنية بأوميغا-3 (كالسلمون والسردين)، أو استبدال الزبدة والكريمية بال أفوكادو أو زيت الزيتون البكر الممتاز. وهذه الاستبدالات تؤثر مباشرة على ملف الدهون في الدم، وليس فقط على الرقم النهائي للكوليسترول الكلي.
كذلك، فإن تأثير الغذاء لا يُقاس بمعزل عن تركيبته الكاملة: فتناول البيض مع الخضروات الورقية الداكنة (مثل السبانخ أو الكرنب) يعزز امتصاص مضادات الأكسدة، بينما يُوصى بدمج الفول السوداني مع الحبوب الكاملة أو البذور لتحسين الاستجابة الجليكيمية والدهنية معًا.
وأخيرًا، لا يمكن فصل التغذية عن باقي مكونات الصحة الأيضية: فالجلوس الطويل، وقلة النشاط البدني، واضطرابات النوم، والتوتر المزمن، كلها عوامل تُضعف قدرة الجسم على تنظيم الدهون حتى عند اتباع حمية «نظيفة». أما النشاط البدني المنتظم — حتى لو كان مشيًا سريعًا لمدة 30 دقيقة يوميًّا — فيرفع HDL، ويحسّن حساسية الأنسولين، ويُعيد ضبط التعبير الجيني المرتبط باستقلاب الدهون.
إذن، بدلًا من الانجراف وراء العناوين الصادمة أو تبني حميات قاسية بلا أساس علمي، فإن الخطوة الأكثر فاعلية هي تبني خيارات واعية: كاستبدال المشروبات السكرية بالشاي الأخضر أو الماء المنكّه، واعتماد السلالم بدل المصاعد، وقراءة قائمة المكونات قبل شراء أي منتج معلّب. فالصحة القلبية ليست مسألة «طرح»، بل هي فنٌّ في «الاختيار الواعي».