يُعَدّ الخيزران الطازج من الخضروات المحبوبة في العديد من المطابخ، بفضل نكهته المنعشة وقوامه المقرمش. لكن انتشر مؤخرًا على وسائل التواصل الاجتماعي وهمٌ شائع مفاده أن تناوله قد يرفع ضغط الدم، ما أثار قلقًا لدى مرضى ارتفاع الضغط، بل دفع بعضهم إلى تجنّبه تمامًا. والحقيقة أن الخيزران لا يُصنَّف كغذاء ضارٍ لمرضى ارتفاع الضغط؛ بل على العكس، فهو غذاءٌ مفيدٌ عند إعداده بطريقة صحية، ويُعدّ جزءًا متكاملًا من النظام الغذائي المتوازن للحفاظ على صحة الأوعية الدموية.
وإذا كان الخيزران آمنًا ومفيدًا، فإن هناك سبع فئات غذائية يجب على مَن يعانون ارتفاع ضغط الدم أو يسعون للوقاية منه الانتباه إليها بعناية، لأنها قد تُفاقم الحالة أو تعرقل التحكم في الضغط، حتى لو بدت بريئة أو مألوفة في اليوميّة الغذائية:
أولًا: الأطعمة المملحة والمخللة
مثل المخللات المنزلية، اللحوم المجففة (اللحم المقدد)، والأسماك المدخنة. فهذه الأصناف تحتوي على كميات عالية جدًّا من الصوديوم، الذي يحفّز احتباس السوائل في الجسم، فيزداد حجم الدم، وتزداد بالتالي الحمل على القلب والأوعية الدموية. ولذلك، يوصى بعدم تناول هذه الأطعمة بشكل يومي، بل الاكتفاء بها بين الحين والآخر وبكميات محدودة جدًّا.
ثانيًا: اللحوم المصنعة
مثل النقانق، والبيكون، ولحوم الغداء الجاهزة. فهي لا تقتصر على ارتفاع محتواها من الدهون المشبعة، بل تحمل أيضًا كميات خفية كبيرة من الملح والمواد الحافظة والمحسِّنات الغذائية. وهذه المزيجات تساهم في اضطرابات التمثيل الغذائي، وتزيد من مقاومة الأنسولين، وتؤثر سلبًا على تنظيم ضغط الدم. والأفضل دائمًا اختيار اللحوم الطازجة غير المصنعة، وطهيها بالطريقة البسيطة كالشوي الهادئ أو السلق دون إضافات دهنية.
ثالثًا: الحلويات والعصائر المحلاة
مثل الكعكات، والشوكولاتة الداكنة المُحلّاة، والمشروبات الغازية، ومشروبات الحليب المحلاة (مثل «اللابتاي»). فالسكريات المكررة ترفع مستويات الإنسولين بسرعة، وتدفع إلى تراكم الدهون الحشوية، وهي عامل خطر رئيسي لارتفاع ضغط الدم. كما أن الإفراط في السكر يُضعف وظيفة البطانة الوعائية، ويقلل من مرونة الشرايين. ومن الحكمة استبدال هذه الأطعمة بفواكه طازجة غنية بالألياف والبوتاسيوم، مثل الموز والبرتقال والتوت.
رابعًا: الأحشاء الحيوانية
مثل كبد الخنزير، وكبد الدجاج، والكلى. فهي غنية جدًّا بالكوليسترول الغذائي، الذي يساهم في رفع مستويات الكوليسترول الكلي والكوليسترول الضار (LDL) في الدم، مما يزيد لزوجة الدم ويُبطئ تدفقه، فيرتفع الضغط الانقباضي والانبساطي مع الوقت. ومع أن هذه الأحشاء تحتوي على حديد وفيتامين B12، فإن هذه العناصر متوفرة بكثرة في مصادر أكثر أمانًا، مثل اللحوم الخالية من الدهن والبقوليات والخضروات الورقية.
خامسًا: المرق الدسم والمرق العظمي المطهو لفترات طويلة
غالبًا ما يُعتقد خطأً أن مرق العظام أو الدجاج المطهو لساعات غنيٌّ بالكالسيوم والبروتين، لكن الدراسات تشير إلى أن معظم البروتين يبقى في اللحم نفسه، بينما يذوب في المرق كميات كبيرة من الدهون المشبعة والبيورينات، التي ترفع حمض اليوريك وقد تُسهم في ارتفاع ضغط الدم وزيادة الوزن. أما الخيار الأمثل فهو المرق النباتي الخفيف، مثل مرق الخضار أو الفطر، الذي يمد الجسم بالماء والألياف دون إثقال الجهاز الدوري.
سادسًا: الأطعمة المقلية
مثل الدجاج المقلي، والبطاطس المقلية، والعيش المحمص (الكرواسان أو العيش المقلّى). فعملية القلي العميق عند درجات حرارة عالية تُنتج أحماض دهنية مشبعة ودهونًا غير مشبعة مضادة (ترانس)، والتي تُسبب التهابًا في جدران الشرايين، وتسرّع تصلب الشرايين، وتُضعف قدرة الأوعية على التوسّع والانقباض الطبيعي. ولذلك، يُفضّل الطهي بالبخار أو الشوي أو الطهي على نار هادئة باستخدام كميات ضئيلة من زيت الزيتون أو زيت الكانولا.
سابعًا: المشروبات الكحولية القوية
فالكحول يؤثر مباشرة على الجهاز العصبي المركزي، ويُخلّ بتنظيم انقباض وانبساط الأوعية الدموية. فالاستهلاك المزمن أو حتى الجرعة الواحدة الكبيرة قد تسبب ارتفاعًا حادًّا في ضغط الدم، وتزيد خطر السكتة الدماغية والنوبات القلبية. ولذلك، يُوصى بشدة بتجنب الكحول تمامًا لدى مرضى ارتفاع الضغط، أو على الأقل الالتزام بالحد الأدنى المسموح به طبيًّا (إن وُجد)، مع استشارة الطبيب دائمًا.
أما بالنسبة للخيزران، فهو غذاءٌ مُستحسنٌ ضمن النظام الغذائي لمَن يراقب ضغطه، وذلك لسببين أساسيين:
أولهما: احتواؤه على نسبة منخفضة جدًّا من الصوديوم، ونسبة مرتفعة من البوتاسيوم، وهو المعدن الذي يُعاكس تأثير الصوديوم ويساعد على إخراج الزائد منه عبر الكلى، مما يدعم استقرار الضغط.
وثانيهما: غناه بالألياف الغذائية القابلة للذوبان وغير القابلة للذوبان، التي تحسّن حركة الأمعاء، وتمنع الإمساك، وبالتالي تجنّب الارتفاع المفاجئ في الضغط أثناء التبرز نتيجة الجهد الزائد.
وبالتالي، فإن الخيزران ليس «قاتل ضغط الدم» كما يُشاع، بل هو غذاءٌ داعمٌ للصحة الوعائية — شرط أن يُطبخ بطريقة بسيطة: مثل السلق مع القليل من الثوم والبصل، أو الشوي الخفيف، أو إضافته إلى السلطات الباردة دون صلصات دهنية أو ملح زائد.
وفي الختام، فإن إدارة ضغط الدم لا تعتمد على تجنب غذاء واحد أو الاعتماد على آخر، بل ترتكز على مبدأين أساسيين:
الأول: التنوّع والتوازن في النظام الغذائي، أي تنويع المصادر بين الخضروات الملونة، والفواكه الطازجة، والحبوب الكاملة، والبروتينات النباتية والحيوانية قليلة الدسم.
والثاني: التحكم في الكميات، فحتى الأغذية الصحية تصبح عبئًا إن أُفرط في تناولها. والقاعدة الذهبية هي تناول الطعام حتى الشعور بالشبع بنسبة ٧٠–٨٠٪، مع مضغ بطيء يمنح الدماغ وقتًا كافيًا لإرسال إشارات الشبع، ويقلل من خطر الإفراط في تناول السعرات.
إن التوعية العلمية الدقيقة، وليس الخوف غير المبرر من أطعمة معيّنة، هي المفتاح الحقيقي للسيطرة على ارتفاع الضغط. فالمريض الذي كان يتجنب الخيزران ظنًّا منه أنه خطر، وبعد توضيح الحقائق عاد ليتناوله بثقة ضمن وجبة متوازنة، هو خير مثال على أن المعرفة الصحيحة تُعيد للغذاء دوره الطبيعي: الوقاية، لا التهديد.