مخاطر مُهمَلة: عدوى فيروس الورم الحليمي البشري لدى الرجال وضرورة التعاون بين الجنسين في الوقاية والعلاج
يُعَدّ فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) من أكثر الفيروسات انتشارًا عالميًّا، ويُعرف عمومًا بارتباطه بسرطان عنق الرحم لدى النساء. لكن ما يغفله الكثيرون هو أن هذا الفيروس لا يُميِّز بين الجنسين، وأن الر
يُعَدّ فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) من أكثر الفيروسات انتشارًا عالميًّا، ويُعرف عمومًا بارتباطه بسرطان عنق الرحم لدى النساء. لكن ما يغفله الكثيرون هو أن هذا الفيروس لا يُميِّز بين الجنسين، وأن الرجال ليسوا مجرد حاملين سلبيين للفيروس، بل هم عرضةٌ أيضًا للإصابة بأمراض خطيرة مرتبطة به، مثل سرطان القضيب وسرطان الشرج وسرطان الحنجرة والبلعوم. وتشير التقديرات إلى أن نحو 90% من حالات سرطان الشرج و70% من سرطانات الحنجرة والبلعوم ترتبط مباشرةً بعدوى فيروس HPV.
ويُعدّ غياب الوعي المجتمعي والطبي حول عدوى HPV لدى الذكور أحد أبرز العوائق أمام الوقاية الفعّالة. فبينما تتوافر لقاحات آمنة وفعّالة منذ سنوات عديدة، وتُوصى بها للإناث في سن مبكرة، فإن تغطية الذكور بالتطعيم لا تزال متدنية في معظم الدول العربية، سواء بسبب نقص التوجيهات الرسمية أو قلة التوعية أو المفاهيم الخاطئة حول «الفيروس النسائي فقط». ومع ذلك، فإن التطعيم المبكر لدى الذكور — خاصة قبل بدء النشاط الجنسي — يقلل بشكل كبير من خطر انتقال الفيروس، ويُعزِّز المناعة الجماعية، ويحمي الشريكين معًا.
وتؤكد أحدث التوصيات الصادرة عن المنظمات الصحية العالمية، ومنها منظمة الصحة العالمية والجمعية الأمريكية لأمراض الجهاز التناسلي، على ضرورة اعتماد نهج «وقاية مشتركة» يشمل كلا الجنسين. وهذا النهج لا يقتصر على التطعيم فحسب، بل يشمل أيضًا الفحص الدوري عند ظهور الأعراض — كالثآليل التناسلية أو التغيرات غير الطبيعية في الجلد أو الغشاء المخاطي — والاستشارة الطبية المبكرة، إضافةً إلى تبني ممارسات وقائية جنسية مسؤولة، مثل استخدام الواقي الذكري، رغم أن فعاليته في منع انتقال HPV ليست مطلقة بسبب طبيعة انتشار الفيروس عبر التلامس الجلدي الأوسع.
وبالتالي، فإن مكافحة فيروس HPV تتطلب تحولًا جذريًّا في التفكير: من اعتباره مسألة صحية نسائية محضة إلى فهمه كقضية صحة عامة تتطلب مشاركة فاعلة من الذكور والإناث على حد سواء. فالوقاية المشتركة ليست خيارًا، بل هي ضرورة طبية واجتماعية تُسهم في خفض عبء الأمراض المرتبطة بهذا الفيروس، وتحقيق أهداف القضاء على سرطانات HPV المرتبطة به بحلول منتصف القرن الحالي.