كيفية التعامل مع نفور الطفل من الطعام ورفضه للأكل
يُعاني العديد من الأطفال من اضطرابات في تناول الطعام، مثل الانتقائية المفرطة في اختيار الأطعمة أو رفض تناولها جملةً واحدةً، وهي ظاهرة تُعرف طبيًّا بـ«النفور من الطعام» أو «الانزعاج من الأكل» (Avoidant
يُعاني العديد من الأطفال من اضطرابات في تناول الطعام، مثل الانتقائية المفرطة في اختيار الأطعمة أو رفض تناولها جملةً واحدةً، وهي ظاهرة تُعرف طبيًّا بـ«النفور من الطعام» أو «الانزعاج من الأكل» (Avoidant/Restrictive Food Intake Disorder – ARFID)، والتي تختلف تمامًا عن اضطرابات الأكل الأخرى كالسمنة أو فقدان الشهية العصبي. وغالبًا ما تظهر هذه الحالة في مرحلة الطفولة المبكرة أو المتوسطة، وقد تؤثر سلبًا على النمو الجسدي والتطور العقلي والاجتماعي للطفل.
لا يعود سبب الانزعاج من الطعام إلى القلق من زيادة الوزن أو تشويه صورة الجسم، بل يرتبط عادةً بحساسية مفرطة تجاه خصائص الأطعمة — كقوامها، لونها، رائحتها، أو حتى طريقة تقديمها — أو بتجارب سلبية سابقة مرتبطة بالأكل، مثل الاختناق أو الغثيان. كما قد يلعب العامل الوراثي أو وجود اضطرابات عصبية مصاحبة، مثل التوحد أو اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، دورًا في تفاقم هذه السلوكيات.
يجب أن يبدأ التدخل المبكر عند أول علامة على انخفاض ملحوظ في الوزن، أو تأخر في النمو، أو غياب تام لبعض مجموعات الغذاء الأساسية (كالخضروات أو البروتينات) لأكثر من شهرَين، أو عند ظهور أعراض نقص التغذية مثل شحوب البشرة، ضعف التركيز، أو تكرار الإصابات بالعدوى. ولا يُكتفى في التشخيص بالاستعانة بالمقابلة السريرية فقط، بل يتطلب تقييمًا متعدد التخصصات يشمل طبيب الأطفال، وأخصائي التغذية السريرية، واختصاصي الصحة النفسية للأطفال.
أما العلاج فيرتكز على نهج تكاملي: يُعد تعديل البيئة الغذائية في المنزل خطوة أساسية، عبر إدخال الأطعمة الجديدة تدريجيًّا وبطرق غير مُجهدة، مع الحفاظ على روتين وجبات منتظم وتجنب الإكراه أو المكافآت المادية. ويُوصى بتقنيات السلوك المعرفي المُعدَّلة للأطفال، مثل «التعرّض التدريجي» و«النمذجة الإيجابية»، تحت إشراف أخصائي نفسي مدرب. وفي الحالات الشديدة التي تترافق مع سوء تغذية حاد أو توقف في النمو، قد يُستدعى التدخل الدوائي أو التغذية المعززة عبر أنبوب التغذية مؤقتًا، بعد تقييم دقيق من قِبل الفريق الطبي.
ولا ينبغي اعتبار هذه السلوكيات مجرد «مرحلة عابرة» أو «عنادٍ طبيعي»، إذ إن تركها دون تدخل منظم قد يؤدي إلى مضاعفات طويلة الأمد، تشمل هشاشة العظام، وتأخر البلوغ، واضطرابات في وظائف الغدد الصماء، بل وقد يزيد من خطر الإصابة باضطرابات نفسية لاحقًا. ولذلك، فإن التوعية الوالدية المبنية على الفهم العلمي، والتشخيص المبكر، والعلاج المنسق بين التخصصات، هي مفاتيح التعافي المستدام وضمان النمو الصحي للطفل.