الشقيقة أو الصداع النصفي مرض عصبي وعائي مزمن شائع، يتميّز بنوبات متكررة من الصداع المتوسط إلى الشديد ذي الطابع النابض، وغالبًا ما يترافق مع أعراض مثل الغثيان والقيء وحساسية الضوء (الرهاب الضوئي) وحساسية الأصوات (الرهاب السمعي). وتُصنَّف هذه الحالة في الطب الصيني التقليدي ضمن مصطلحات مثل «ريح الدماغ» و«ريح الرأس» و«الصداع النصفي أو الكامل»، حيث تُعزى أسبابها إلى عوامل خارجية (مثل الرياح والرطوبة والحرارة المُتراكمة) وأخرى داخلية مرتبطة باختلالات في التوازن الوظيفي للدم والطاقة (تشي)، مثل نقص الدم، وضعف الطاقة، وركود الدورة الدموية، أو ازدياد الحرارة البلغمية.
ويُعدّ كتاب «هوانغ دِي نِي جينغ» (كتاب الإمبراطور الأصفر للأمراض الداخلية) أول مصدر طبي صيني قديم يشير صراحةً إلى مصطلح «الشقيقة»، ويوضح أن أسبابها تنقسم إلى نوعين رئيسيين: العوامل الخارجية المُهاجمة، والعوامل الداخلية الناجمة عن ضعف أعضاء الجسم أو اختلالات في تدفق «تشي» والدم. أما في القرن الثامن عشر الميلادي، فقد أشار الطبيب وو تشيان في كتابه «ي زونغ جين جيان» (المراجع الذهبية في الطب) إلى أن موقع الصداع يحمل دلالة تشخيصية مهمة؛ فالصداع في الجانب الأيمن غالبًا ما يرتبط بزيادة نشاط «تشي» أو تراكم البلغم والحرارة، بينما يرتبط الصداع في الجانب الأيسر بنقص الدم وزيادة تأثير عامل «الريح» المسبب للاضطرابات العصبية.
وبناءً على هذه الآليات المرضية، تتعدد الاستراتيجيات العلاجية في الطب الصيني التقليدي، ومن أبرزها: تطهير الجسم من عوامل «الريح» الخارجية، وتهدئة «ريح الكبد» الداخلية، وتنشيط الدورة الدموية وإذابة الجلطات الدموية المتراكمة (إذابة الركود الدموي)، وتعزيز إنتاج الدم ودعم الطاقة. وقد أظهرت مراجعة منهجية لدراسات الأدوية الصينية في علاج الشقيقة تحديد ١٥ زوجًا دوائيًّا فعّالًا، وكان أبرزها ثلاثة أزواج تُستخدم على نطاق واسع في الوصفات الكلاسيكية والأدوية الحديثة: «الكوان شيونغ – دانغ غوي» (الكوان شيونغ مع الجينسنغ الصيني الأحمر)، و«باي تشي – كوان شيونغ» (الباي تشي مع الكوان شيونغ)، و«تيان ما – كوان شيونغ» (التيان ما مع الكوان شيونغ).
ومن أبرز التطبيقات السريرية لهذا المبدأ هو دواء «شو ناو شين دي وان» (حبوب شو ناو شين المُذيبة)، الذي وافقت عليه إدارة المنتجات الطبية الصينية لعلاج الشقيقة الناتجة عن حالة «نقص الدم وركوده»، ويعتمد تركيبه الأساسي على الزوج الدوائي «كوان شيونغ – دانغ غوي». فـ«كوان شيونغ» عشبة ذات طعم حار و性质 دافئة، تعمل على تنشيط تدفق «تشي» والدم، وتتجه بشكل خاص نحو الرأس لتخفيف الألم، كما أنها تُحفّز الدورة الدموية في الأوعية العميقة. أما «دانغ غوي» فهي عشبة أساسية في تعزيز إنتاج الدم وتنشيطه، وتتميز بقدرتها الفائقة على تسكين الألم المرتبط بنقص الدم وركوده. وعند جمعهما معًا، يتحقق تأثير متكامل: تنظيم تدفق «تشي»، وتنشيط الدورة الدموية، وإذابة الركود، وتخفيف الألم بفعالية عالية.
وأكدت دراسة سريرية عديدة المراكز، عشوائية، ومُحكمة، نُشرت في مجلة «تقييم الأدوية البحثية» عام ٢٠٢٠، الفعالية العلاجية الممتازة والسلامة العالية لحبوب «شو ناو شين دي وان» لدى مرضى الشقيقة ذوي المتلازمة التشخيصية «نقص الدم وركوده». وأظهرت النتائج تفوّقًا معنويًّا للمجموعة العلاجية مقارنةً بالعلاج الضابط في تقليل شدة الصداع، وتخفيض مدة النوبة، وتحسين الأعراض المصاحبة مثل الدوخة والأرق وازرقاق الشفتين والأظافر، فضلًا عن تحسّن ملحوظ في المؤشرات التشخيصية التقليدية مثل عدد النوبات الأسبوعي ودرجة التعبير عن الأعراض. ولم تُسجَّل أي أحداث سلبية خطيرة خلال فترة الدراسة، مما يعزز مكانتها كخيار علاجي واعد في الممارسة السريرية.
ومن الجدير بالذكر أن آلية عمل زوج «كوان شيونغ – دانغ غوي» لا تقتصر على التأثير المحلي في الأوعية الدموية، بل تمتد إلى مستويات جزيئية دقيقة: إذ توقّعت دراسات التحليل الشبكي الدوائي وجود ٥٦ مركبًا نشطًا في هذا الزوج العلاجي، يستهدف ١٨٧ نقطة جزيئية مرتبطة بالشقيقة، ويؤثر عبر مسارات حيوية رئيسية مثل مسار TNF/IL-17 المضاد للالتهاب، ومسار eNOS/أكسيد النيتريك المنظم لتوتر الأوعية الدموية وتدفق الدم، بالإضافة إلى تنظيم الاستثارية العصبية وتخفيف الألم المركزي.
ومع ذلك، يبقى التأكيد على ضرورة استشارة أخصائي طب صيني مؤهل لتشخيص المتلازمة التشخيصية بدقة قبل وصف أي علاج عشبي، إذ إن استخدام الأدوية دون تشخيص دقيق قد يؤدي إلى تفاقم الحالة أو ظهور آثار جانبية غير مرغوب فيها. كما يُوصى بدمج العلاج الدوائي مع إدارة نمط الحياة: كالحفاظ على دفء الرأس وتجنب التعرّض المباشر للرياح الباردة، وممارسة تقنيات تخفيف التوتر النفسي، والتدخل المبكر في حالات الاكتئاب أو القلق، لما لها من تأثير مباشر في تفاقم نوبات الشقيقة.