هل تُعَدُّ «المشي عشرة آلاف خطوة يوميًّا»، تلك الممارسة الشائعة بين كبار السن في إطار ما يُسمَّى بـ«العناية الذاتية بالصحة»، فعلاً مفيدة؟ أم أنها قد تتحول تدريجيًّا إلى سببٍ خفيٍّ لإصابات جسدية خطيرة؟ الواقع يُظهر أن العديد من كبار السن يعانون آلامًا حادة في الركبتين أو التهابات في اللفافة الأخمصية بعد اعتمادهم على هذه الطريقة دون إشراف طبي أو مراعاة للخصائص الفسيولوجية لجسمهم المتقدم في العمر. فمثلًا، يشكو السيد «وانغ» من آلام شديدة في مفصل الركبة تمنعه من الوقوف بشكل مستقيم، بينما أصيبت السيدة «لي» بالتهاب حاد في اللفافة الأخمصية نتيجة محاولتها تعويض نقص الخطوات خلال ساعات متأخرة من اليوم — وهي حالات ليست استثنائية، بل إنها تنذر بضرورة إعادة تقييم منهجية المشي لدى كبار السن وفق أسس طبية رصينة.
أولًا: المخاطر الصحية الناجمة عن السعي العشوائي لتحقيق عدد معين من الخطوات
إن الإصرار على قطع عشرة آلاف خطوة يوميًّا دون مراعاة الحالة الصحية الفردية أو القدرة الوظيفية للمفاصل يُعدُّ ممارسة خطرة. فمفصل الركبة، على سبيل المثال، يشبه آلية دقيقة تتطلب توازنًا دقيقًا بين الاستخدام والراحة؛ فالإجهاد الزائد يؤدي إلى اضطراب في إفراز السائل الزلالي، وتآكل الغضروف بمعدل يفوق قدرة الجسم على التجدد، وهو تلف غالبًا لا رجعة فيه. أما «تعويض الخطوات المفقودة» في وقت متأخر من اليوم، فيُعادل إخضاع القلب والأوعية الدموية لحمل مفاجئ، ما يُحفِّز اضطرابات في ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، ويضاعف خطر السقوط خاصةً لدى من يعانون من ضعف التوازن أو انخفاض ضغط الدم الوضعي.
ثانيًا: تأثير وضعية الجسم الخاطئة أثناء المشي
لا يقتصر الضرر على عدد الخطوات فحسب، بل يمتد ليشمل طريقة الأداء. فالمشي بوضعية «الجرّ»، أي سحب القدم على الأرض دون رفعها كاملاً، يُعرِّض اللفافة الأخمصية لتوتر مزمن، ما يُسهِّل تكوُّن نتوء عظمي في عظم الكعب (الشوكة العظمية الكعبية). ومن جهة أخرى، فإن الانحناء الأمامي للعمود الفقري أثناء المشي — خصوصًا إذا تجاوز زاوية ٣٠ درجة — يرفع الضغط على الأقراص الفقرية بنسبة تصل إلى ٢٠٠٪ مقارنةً بالوضع الطبيعي، ما يُسرِّع من تنكس الفقرات، ويُضعف قدرة الصدر على التوسع، فيقلّ وصول الأكسجين إلى الأنسجة، ويتفاقم خطر الإرهاق التنفسي.
ثالثًا: أوقات المشي غير الملائمة طبيًّا
إن ممارسة المشي السريع مباشرةً بعد تناول الوجبة يُشتِّت تدفق الدم من الجهاز الهضمي إلى العضلات، ما يُسبب اضطرابات هضمية وظيفية مثل الانتفاخ وحرقة المعدة، وقد يفاقم أعراض هبوط المعدة عند كبار السن، مُسبِّبًا ارتجاعًا معديًّا مزعجًا. كما أن الخروج للمشي في الأجواء الباردة، خاصةً في فصلي الربيع والخريف حيث التقلبات الحرارية الحادة، يُحفِّز انقباضًا مفاجئًا في الشرايين، وهو ما يشكل خطرًا جسيمًا على مرضى تصلُّب الشرايين، إذ قد يؤدي إلى نوبات قلبية أو سكتات دماغية بسبب انسداد مفاجئ في التروية الدموية.
رابعًا: تجاهل إشارات الجسم التحذيرية
يعتقد بعض المسنين أن الألم أثناء المشي «جزء طبيعي من التمرين»، لكن هذا المفهوم خاطئ تمامًا. فالألم ليس مؤشرًا على التحسن، بل هو رسالة طارئة من الجسم تدل على وجود خلل يحتاج إلى تدخل فوري. والاستمرار في المشي رغم الألم قد يؤدي إلى تمزقات عضلية أو غضروفية لا يمكن إصلاحها لاحقًا. كذلك، فإن ممارسة المشي المكثف أثناء الإصابة بالعدوى الفيروسية، مثل نزلات البرد أو الإنفلونزا، تُثقل كاهل الجهاز المناعي، وتزيد من احتمال التهاب عضلة القلب (التهاب عضلة القلب الفيروسي)، خاصةً إذا ظهرت أعراض مثل ضيق التنفس أو ألم صدري أو خفقان غير منتظم — وفي هذه الحالة، يجب التوقف الفوري عن أي نشاط بدني والرجوع إلى الطبيب.
والحل لا يكمن في التخلي عن المشي، بل في تبني نهجٍ ذكيٍّ وآمنٍ: اختيار حذاء رياضي مرن يوفر دعمًا كافيًا لمفصل الكاحل والركبة، والحفاظ على طول الخطوة ضمن حدود ٥٠٪ من طول القامة تقريبًا. ويُوصى باستخدام جهاز مراقبة رقمي لمعدل ضربات القلب، بحيث لا يتجاوز النطاق الآمن المحسوب وفق المعادلة: (٢٢٠ − العمر) × ٦٠٪. كما أثبتت الدراسات فعالية «طريقة المشي المتقطع»: ثلاث دقائق مشي سريع متبوعة بدقيقة واحدة من المشي البطيء، وتكرار هذه الدورة عدة مرات، فهي تحسّن التحمُّل القلبي الوعائي دون إرهاق المفاصل. فالتوازن، وليس التنافس على عدد الخطوات، هو جوهر الصحة المستدامة.