في ساعات الليل الهادئة، حين يفترض أن يكون الجسم في حالة راحة عميقة، يستيقظ الكثيرون فجأةً بسبب شعورٍ مزعجٍ بالحرارة والجفاف في الحنجرة والفم. فتبدو الفم كأنها تتشقّق من الجفاف، فيهرع الشخص إلى شرب كميات كبيرة من الماء، لكن هذا الإحساس بالجفاف يعود سريعًا بعد دقائق قليلة، وكأن الماء لا يُرَوّي العطش حقًّا. كثيرٌ من الناس يكتفون بتفسير بسيط لهذا العرض: «الهواء جافٌ» أو «لم أشرب كفايتي من الماء خلال النهار»، فيدهنون الشفتين ويعودون للنوم دون مبالاة. لكن التكرار المستمر لجفاف الفم ليلاً قد يكون إشارة إنذار مبكرة من الجسم، خصوصًا لدى كبار السن، حيث قد يُهمَل هذا العَرَض البسيط بينما يشير في الواقع إلى اضطرابات داخلية جوهرية تستدعي التقييم الطبي المبكر.
أولًا: تقلبات مستويات السكر في الدم
عندما تنخفض كفاءة الجسم في استقلاب الجلوكوز — كما يحدث في مقاومة الإنسولين أو السكري المبكر — يتراكم السكر في مجرى الدم. وللتخلص من هذه الكميات الزائدة، تعمل الكلى بجهدٍ أكبر لإفراز الجلوكوز عبر البول، وهي عملية تتطلب سحب كميات كبيرة من الماء من الأنسجة. وهذا يؤدي إلى جفافٍ نسبيٍّ في الجسم، فيُحفَّز مركز العطش في الدماغ، ويظهر جفاف الفم كعرضٍ مبكرٍ. كما أن ارتفاع تركيز الجلوكوز في الدم يغيّر الضغط الأسموزي، ما يُفاقم الإحساس بالعطش حتى بعد شرب الماء، لأن الماء يُفقد سريعًا عبر البول المتزايد، مما يخلق حلقة مفرغة من الاستيقاظ الليلي المتكرر للشرب.
ثانيًا: تغير نمط التنفس أثناء النوم
التنفس الأنفي هو النمط الطبيعي أثناء النوم، إذ يقوم الغشاء المخاطي الأنفي بترطيب وتدفئة الهواء الداخل. لكن عند وجود انسداد في المجاري التنفسية — مثل انحراف الحاجز الأنفي، أو تضخم التركيبات الأنفية، أو الالتهابات المزمنة — يضطر الجسم للتنفس الفموي. وفي هذه الحالة، يمر الهواء الجاف مباشرةً عبر الفم، فيتبخر اللعاب بسرعة، ويسبب جفافًا شديدًا في الأغشية المخاطية، وقد يترافق مع ألمٍ أو شعورٍ بالوخز عند الاستيقاظ. أما في متلازمة توقف التنفس الانسدادي أثناء النوم، فيتوقف التنفس لفترات قصيرة، فيُفعَّل التنفس الفموي آليًّا لتعويض نقص الأكسجين، ما يؤدي ليس فقط إلى جفاف الفم، بل أيضًا إلى اضطراب عميق في جودة النوم، وإرهاق نهاري، وزيادة خطر التهابات اللثة وتسوس الأسنان نتيجة اختلال التوازن الميكروبي الفموي.
ثالثًا: انخفاض إفراز اللعاب الوظيفي
مع التقدم في العمر، تشهد الغدد اللعابية تراجعًا تدريجيًّا في وظيفتها: فتنخفض كثافة الخلايا المنتجة لللعاب، وتقل حساسيتها للإشارات العصبية، خاصةً في الليل حين تنخفض نشاط الجهاز العصبي الودي ويزداد تأثير العصب الحائر الذي يثبط الإفراز اللعابي. أما في الأمراض المناعية الذاتية مثل متلازمة شوغرن، فإن الجهاز المناعي يهاجم الغدد اللعابية والدمعية عن طريق الخطأ، ما يؤدي إلى ضمورها وتلفها. ويظهر ذلك سريريًّا بجفاف شديد في الفم والعينين، وصعوبة في الكلام أو البلع، واحتياج متكرر للماء حتى أثناء تناول الطعام الجاف.
رابعًا: الآثار الجانبية للأدوية
العديد من الأدوية الشائعة تحتوي على مكونات ذات تأثير مضاد كوليني، مثل بعض مضادات الهيستامين المستخدمة في علاج الحساسية أو نزلات البرد، والتي تثبّط نشاط الغدد المفرزة بشكل عام، ومنها الغدد اللعابية. وعند تناول هذه الأدوية قبل النوم، يتفاقم جفاف الفم ليلاً، وقد يشعر المريض بلزوجة مزعجة في الفم طوال الليل. كما أن بعض الأدوية النفسية — كالمضادات الاكتئابية ثلاثية الحلقات أو بعض أدوية اضطرابات القلق — تؤثر على المسارات العصبية التي تنظم إفراز اللعاب، ما يجعل جفاف الفم عرضًا جانبيًّا شائعًا، غالبًا ما يُساء تفسيره على أنه تفاقم للحالة النفسية أو مجرد جفاف عادي.
خامسًا: اختلال توازن الإلكتروليتات
تناول وجبات غنية بالملح (كلوريد الصوديوم) في المساء يؤدي إلى ارتفاع تركيز أيونات الصوديوم في بلازما الدم، فيستجيب الجسم بسحب الماء من الخلايا إلى الأوعية الدموية للحفاظ على التوازن الأسموزي، ما يسبب جفافًا في خلايا الغشاء المخاطي للفم، ويظهر كجفافٍ موضعيٍّ مصحوبٍ برغبة ملحة في الشرب. ومن ناحية أخرى، يلعب البوتاسيوم دورًا محوريًّا في انقباض العضلات ووظيفة الغدد، وبخاصة الغدد اللعابية. ونقص البوتاسيوم — الذي قد ينتج عن سوء الامتصاص المعوي، أو الحميات الغذائية غير المتوازنة، أو استخدام مدرات البول — يضعف قدرة الغدد على الاستجابة للإشارات العصبية، فينخفض إنتاج اللعاب، ويتفاقم جفاف الفم ليلاً.
وبالتالي، فإن التعامل مع جفاف الفم الليلي لا يقتصر على شرب كميات كبيرة من الماء، إذ قد يزيد ذلك من العبء على الكلى أو يُفسد استمرارية النوم. بل يجب اعتماد نهج تشخيصي ووقائي متكامل: تقليل الملح في الوجبات المسائية، واستخدام المرطبات الجوّية في غرفة النوم للحفاظ على رطوبة هواء تتراوح بين 40–60٪، وتجربة النوم على الجانب لتقليل انسداد المجاري التنفسية الخلفية، ومراجعة قائمة الأدوية مع الطبيب أو الصيدلي لتقييم إمكانية تعديل الجرعات أو استبدال الأدوية المسببة. وإذا استمر العرض رغم هذه التعديلات، أو رافقه أعراض أخرى مثل التبول الليلي المتكرر، أو فقدان الوزن غير المبرر، أو جفاف العينين، أو صعوبة في البلع، فيجب التوجه فورًا إلى طبيب باطنية أو طبيب أمراض غدد صماء أو طبيب أنف وأذن وحنجرة لتقييم شامل يشمل فحوصات سكر الدم، واختبارات وظائف الغدد اللعابية، وتحليل الإلكتروليتات، وربما دراسة النوم إذا اشتبه في اضطرابات التنفس.