هل تعلم أن بعض أنواع الشاي قد ترفع مستويات السكر في الدم بدلًا من خفضها؟ ففي ظل انتشار معلومات غير دقيقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يُروَّج لبعض المشروبات العشبية أو المُحضَّرة جاهزة على أنها «قاذفات سحرية» ضد ارتفاع السكر، ما يدفع العديد من مرضى السكري إلى استهلاكها بكثرة بدلًا من الماء. لكن الحقيقة الطبية أعقد من ذلك: فبينما يُعد الشاي الطبيعي غير المحلى خيارًا صحيًّا مدعومًا بأدلة علمية، فإن كثيرًا من المنتجات المتداولة في الأسواق تُشكِّل خطرًا صامتًا على التحكم في الجلوكوز.
أولًا: الشاي «الصحي ظاهريًّا» قد يكون سببًا خفيًّا في ارتفاع السكر
أول هذه المخاطر يتمثل في الشاي المعبأ والمُنكَّه بالسكر: فمعظم المشروبات المعلبة المعروضة في المتاجر تحتوي في قائمة مكوناتها على السكر المكرر (مثل السكروز أو شراب الجلوكوز-fructose) ضمن أول ثلاثة مكونات، حتى تلك المُصنَّفة على أنها «منخفضة السكر». أما مشروبات المقاهي والمتاجر المخصصة للوجبات الخفيفة، فهي أشد خطورة؛ إذ قد تحتوي كوب واحد من الشاي بالحليب أو الشاي بالفواكه على ما يعادل ١٠ ملاعق صغيرة من السكر — أي أكثر من الحد الأقصى اليومي الموصى به من قِبل منظمة الصحة العالمية.
وثانيها هو الشاي الفواكي الجاف أو المُحضَّر من مزيج الفواكه المجففة: فعملية التجفيف تركِّز السكريات الطبيعية في الفواكه، مثل التين أو التوت أو التمر، ثم تُضاف إليها شراب السكر أو شراب الذرة عالي الفركتوز أثناء التصنيع، ما يجعلها مصدرًا مركزًا للجلوكوز والفركتوز دون إدراك المستهلك. ومن أبرز الأمثلة: شاي التوت الأزرق، وشاي البلح واليانسون، وشاي الزبيب مع القرفة — فطعمها الحلو المغرٍ لا يعكس سوى كمية السكر المهولة التي تحملها.
أما ثالثها فهو الشاي الفوري أو المسحوق: فغالبًا ما يُضاف إليه مادة «الدكسترين المالتوزي» لتحسين القوام والذوق، وهذه المادة كربوهيدرات سريعة الامتصاص، ومؤشرها الغليكيمي أعلى من السكر العادي، ما يؤدي إلى ارتفاع حاد ومفاجئ في مستويات الجلوكوز بعد شرب الكوب الواحد.
ثانيًا: كيف تختار الشاي الذي يدعم التحكم في السكر حقًّا؟
إن الفوائد المثبتة للشاي في إدارة مرض السكري تقتصر على الشاي النقي غير المحلى، مثل الشاي الأخضر والشاي الأسود غير المخمّر والشاي الأبيض والشاي الأُولونغ. فهذه الأنواع غنية بالبوليفينولات، خاصة الكاتيشينات، والتي أظهرت دراسات سريرية تأثيرًا مثبتًا في تثبيط إنزيمات هضم الكربوهيدرات في الأمعاء، وبالتالي إبطاء امتصاص الجلوكوز بعد الوجبات.
أما طريقة الاستهلاك فتلعب دورًا محوريًّا: فيُنصح بشرب الشاي بعد الوجبة بنحو ٣٠ دقيقة، لأن ذلك يساعد في تقليل ذروة ارتفاع السكر بعد الأكل. أما شربه على الريق فقد يسبب اضطرابات هضمية أو انخفاضًا نسبيًّا في سكر الدم لدى بعض المرضى. ويجب تجنُّب الشاي المركز جدًّا لأنه يحتوي على كميات مرتفعة من الكافيين التي تُحفِّز إفراز الأدرينالين، مما قد يرفع السكر بشكل عكسي. والأفضل هو الشاي الفاتر أو الدافئ، بتركيز معتدل، وبحد أقصى ثلاث فناجين يوميًّا.
كذلك يجب التحذير من الشاي العشبي المُروَّج له كـ«علاج سحري» لمرض السكري: فبعض المنتجات المُسوَّقة في الصيدليات أو عبر الإنترنت تحتوي على أدوية خافضة للسكر غير مصرح بها، مثل الغليبنكلاميد أو الميتفورمين المُضاف سرًّا، ما يعرّض المريض لخطر نوبات نقص سكر الدم الخطيرة، بل وقد يؤدي إلى فشل كلوي إذا استُخدم دون رقابة طبية.
ثالثًا: أخطاء شائعة في عادات شرب الشاي لدى مرضى السكري
أول هذه الأخطاء هو استبدال الماء بالشاي تمامًا: فالشاي مدرٌّ للبول، وشربه بكميات كبيرة يزيد خطر الجفاف، خاصة لدى كبار السن أو المصابين باضطرابات في وظائف الكلى. والماء النقي يظل الخيار الأمثل لتلبية احتياجات الجسم من السوائل، بينما لا ينبغي أن يتجاوز الشاي ثلث إجمالي السوائل اليومية.
وثانيها هو الاعتماد على الشاي المُترك ليلة كاملة: فالمشروبات المُحضَّرة مسبقًا وتُترك في درجة حرارة الغرفة تفقد معظم مضادات الأكسدة النشطة خلال ساعات، كما أن بيئة التخزين غير المعقمة تسمح بتزايد البكتيريا والسموم الميكروبية، ما يجعلها غير آمنة تمامًا. ولا توجد أي دراسة تدعم فكرة أن الشاي القديم له تأثير خفض سكر أفضل — بل العكس هو الصحيح.
أما ثالثها فهو الاعتقاد بأن شرب الشاي وحده كافٍ للتحكم في الوزن أو السكر: فالمشروبات، مهما كانت فوائدها، لا تعوّض عن نظام غذائي غير متوازن أو قلة النشاط البدني. فالتحكم الفعّال في مرض السكري يتطلب نهجًا متكاملًا يشمل تعديل النظام الغذائي، وممارسة الرياضة بانتظام، وضبط الجرعات الدوائية تحت إشراف طبيب الغدد الصماء، مع مراقبة دورية لمستويات الهيموغلوبين السكري (HbA1c).
إذن، ليست المشكلة في الشاي نفسه، بل في نوعه وكيفية تحضيره واستهلاكه. فقبل أن تسكب الماء المغلي على كيس الشاي، تأمّل قائمة المكونات بدقة: فإذا وجدت كلمات مثل «سكر» أو «شراب ذرة» أو «دكسترين» أو «نكهات طبيعية» — فاعلم أن هذا المشروب ليس دعمًا لصحتك، بل قد يكون فخًّا سكريًّا مُموَّهًا. والحل الأمثل يبقى دائمًا في الجمع بين التوعية الذاتية، والفحص الطبي الدوري، والالتزام بأسلوب حياة صحي شامل.