هل تُصرّ على إضافة السكر الكامل إلى مشروبك المفضل، وتتناول المشروبات الغازية مع الوجبات الدسمة دون قلق، بينما تظهر نتائج فحوصاتك الدورية طبيعية تمامًا في مؤشرات السكر؟ لا تستعجل الاحتفال بهذا «إنجازٍ وهمي»! فقد يكون جسدك يمتلك بالفعل درعًا وقائيًّا طبيعيًّا ضد مرض السكري — ليس بسبب الحظ أو الإهمال، بل بفضل مجموعة من العوامل البيولوجية والسلوكية التي تُعزِّز استقرار مستويات الجلوكوز في الدم.
أولًا: الفائزون بـ«اليانصيب الجيني»
يتمتّع بعض الأشخاص بميزة وراثية واضحة تقلّل خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني. فلو لم يُسجَّل أي حالة سكري في ثلاثة أجيال سابقة من عائلتك (الأبوين، الأجداد، وأبناء العمومة)، فهذا يشير إلى احتمال وجود تنظيم وراثي فعّال لوظائف البنكرياس وحساسية الأنسجة للأنسولين. ومع ذلك، فإن هذه الميزة لا تعني الحصانة المطلقة؛ فالنمط الحياتي يظل عاملاً حاسمًا في الحفاظ على هذه الميزة أو إضعافها تدريجيًّا.
كذلك، يُلاحظ أن بعض الأفراد يتمتعون بطبيعة جسمانية تقاوم تراكم الدهون، حتى مع تناول كميات كبيرة من السعرات الحرارية. ويعود هذا جزئيًّا إلى توزيع الدهون تحت الجلد بدلًا من التراكم حول الأعضاء الداخلية (الدهون الحشوية). فكلما قلّت الدهون الحشوية، انخفضت مقاومة الأنسولين، وتحسّنت كفاءة استقلاب الجلوكوز في الكبد والعضلات.
ثانيًا: نظام الأيض «المتفوق»
من أبرز المؤشرات المخبرية لصحة الأيض استقرار مستوى الجلوكوز الصائم عند كل فحص دوري، مع عودة سريعة إلى المعدل الطبيعي بعد ساعتين من تناول وجبة غنية بالكربوهيدرات. وهذا يعكس نشاطًا بنكرياسيًّا ممتازًا، وقدرة عالية على إفراز الأنسولين والاستجابة له بدقة — وهي سمة تُصنَّف ضمن «علامات الصحة الأيضية الذهبية».
أما مؤشر الهيموغلوبين الغليكوزيلاتي (HbA1c)، فهو يُقدّر متوسط مستوى الجلوكوز في الدم خلال الشهور الثلاثة الماضية، ويُعتبر أكثر موثوقية من قياس الجلوكوز العادي لأنه لا يتأثر بالصيام العابر أو التغيرات اليومية. وبقاء هذا المؤشر ضمن النطاق الطبيعي (أقل من 5.7%) على مدى سنوات، يدلّ على نظام تنظيمي سليم ومتسق لمستويات السكر — وليس مجرد نتيجة عابرة لحمية مؤقتة.
ثالثًا: النمط الحياتي «النماذجي»
النشاط البدني المنتظم يُعدّ من أقوى العوامل المحسّنة لحساسية الأنسولين. فالعضلة ليست مجرد وحدة حركية، بل هي «مخزن مؤقت للجلوكوز»؛ وكلما زادت كتلتها العضلية، زادت قدرتها على امتصاص الجلوكوز من الدم دون الحاجة لكميات كبيرة من الأنسولين. وحتى المشي السريع لمدة 30 دقيقة يوميًّا يُحدث فرقًا ملحوظًا في تحسين الاستجابة الأيضية.
أما التغذية المتوازنة فهي ليست مسألة حرمان، بل ذكاء غذائي: مثل استبدال الأرز الأبيض والخبز الأبيض بالحبوب الكاملة الغنية بالألياف، وتحديد حصص الفواكه وفقًا لمحتواها السكري، واختيار المكسرات غير المملحة بدلًا من الحلويات المصنعة. هذه الخيارات تُخفّف من التقلبات الحادة في مستويات الجلوكوز، وتقلّل العبء الوظيفي على خلايا بيتا في البنكرياس.
رابعًا: خبراء إدارة الضغوط النفسية
الإجهاد المزمن يُحفّز إفراز هرمون الكورتيزول، الذي يرفع مباشرةً مستويات الجلوكوز في الدم عبر تحفيز إنتاجه في الكبد ومقاومة تأثير الأنسولين في الأنسجة. ولذلك، فإن الأشخاص الذين يحافظون على نوم عميق ومنتظم حتى في أوقات التوتر، غالبًا ما يتمتّعون بتوازن هرموني أفضل، مما ينعكس إيجابيًّا على استقرار السكر.
كذلك، تلعب القدرة على تنظيم المشاعر دورًا سريًّا لكنه محوري: فالاندفاع نحو تناول السكريات عند الشعور بالاكتئاب أو القلق يُشكّل حلقة مفرغة تُفاقم مقاومة الأنسولين. أما من يلجأ إلى طرق بديلة للتعامل مع الضغوط — كالتنفس العميق، أو النشاط البدني، أو الحديث مع شخص موثوق — فيجنّب جسده تحميلًا زائدًا من الجلوكوز، ويُعزّز بذلك آلية تنظيم السكر بشكل غير مباشر.
إذا تحقّقت فيك معظم هذه الخصائص، فهذا يستحق التقدير — لكنه لا يبرر الاستهانة. فالسكري مرض متعدد العوامل، ولا توجد «مناعة وراثية مطلقة». الوقاية منه ليست حدثًا لمرة واحدة، بل ممارسة يومية مستمرة. فالحفاظ على هذه المزايا يتطلب التزامًا دائمًا بأنماط حياة صحية، لأن الجسم لا يعرف «الراحة» في ما يخص التوازن الأيضي — بل يعرف فقط الاستمرارية أو التراجع.