أثارت اليقطين، تلك الخضروات البرتقالية اللون التي تُعتبر من أكثر المكونات انتشارًا في المطبخ العربي والعالمي، جدلًا واسعًا مؤخرًا في الأوساط الطبية والتغذوية. فبينما يروّج البعض لها باعتبارها «سوبرفوود» غنية بالعناصر المفيدة، يحذر آخرون من أن الإفراط في تناولها أو سوء طريقة تحضيرها قد يُثقل كاهل الكبد. فما الحقيقة العلمية وراء هذه التصريحات؟ وهل يُعد اليقطين فعلاً عدوًّا للكبد أم مجرد ضحية سوء الفهم الغذائي؟
أولًا: هل اليقطين مضرٌ للكبد حقًّا؟
لا، اليقطين نفسه ليس سامًّا للكبد ولا يحتوي على مركبات تسبب تلف الخلايا الكبدية عند الاستهلاك المعتدل. بل على العكس، فهو مصدر غني ببيتا-كاروتين (الذي يتحول في الجسم إلى فيتامين أ)، والألياف الغذائية القابلة للذوبان، بالإضافة إلى مضادات الأكسدة مثل الليوتين والزياكسانثين. وهذه المركبات تدعم صحة الجهاز الهضمي وتُسهم في تنظيم مستويات السكر والدهون في الدم — ما ينعكس إيجابيًّا على وظائف الكبد.
إلا أن المشكلة لا تكمن في اليقطين ذاته، بل في طرائق تناوله غير المتوازنة: سواء عبر الإفراط في الكميات، أو دمجه مع أطعمة تعيق امتصاص مغذياته، أو الاعتماد على منتجاته المصنعة الغنية بالسكريات المضافَة والدهون المشبعة والمواد الحافظة.
ثانيًا: طرائق تناول اليقطين التي تستدعي الحذر
أولًا: التزامن مع أطعمة معينة — فتناول كميات كبيرة من اليقطين مع مصادر غنية بفيتامين ج (مثل الفلفل الأحمر، البرتقال، أو الجوافة) قد يؤدي إلى تنافس في الامتصاص المعوي، ويُثقل عملية استقلاب الكبد للمعادن والفيتامينات المذابة في الدهون، خاصة عند الأشخاص ذوي الوظيفة الكبدية المحدودة.
ثانيًا: الاعتماد المطول على منتجات اليقطين المصنعة — مثل بسكويت اليقطين، مسحوق اليقطين الجاهز، أو العصائر المحلاة. فهذه المنتجات غالبًا ما تحتوي على سكريات مضافة بنسبة عالية، ودهون متحولة، ومواد حافظة تتطلب من الكبد معالجتها وإزالتها، ما يزيد العبء الأيضي عليه على المدى الطويل.
ثالثًا: الإفراط في تناول بذور اليقطين — رغم فوائدها المثبتة من حيث المغنيسيوم والزنك والأحماض الدهنية غير المشبعة، إلا أن محتواها العالي من الدهون (خصوصًا عند تحميصها بزيوت غير صحية أو إضافتها إلى أطعمة غنية بالملح) قد يُفاقم الالتهاب الكبدي أو يُسهم في تراكم الدهون داخل الكبد لدى المعرضين للسمنة أو مقاومة الإنسولين.
ثالثًا: كيف تتناول اليقطين بطريقة آمنة وصحية؟
يُوصى بعدم تجاوز 100–150 غرامًا من اليقطين المطبوخ في الوجبة الواحدة، وبتكرار الاستهلاك 3–4 مرات أسبوعيًّا ضمن نظام غذائي متنوع. كما يُفضل طهيه على البخار أو شويه دون إضافات دهنية زائدة، بدل القلي أو التحلية المفرطة.
ومن الناحية التكاملية، يُنصح بدمج اليقطين مع مصادر البروتين النباتي أو الحيواني قليل الدسم (مثل العدس أو الدجاج المشوي)، أو مع الحبوب الكاملة (كالشوفان أو الكينوا)، لأن ذلك يُحسّن امتصاص البيتا-كاروتين ويخفض مؤشر نسبة السكر في الدم.
أما من ناحية الجودة، فالاختيار الأمثل هو اليقطين الطازج غير المعلب، مع تجنّب المنتجات الجاهزة التي تحمل قائمة مكونات طويلة تحتوي على مواد مضافة أو سكريات مخفية.
رابعًا: من هم الأكثر عرضة لمخاطر سوء تناول اليقطين؟
يجب على المصابين بأمراض كبدية مزمنة — كالتهاب الكبد الفيروسي، أو تليف الكبد، أو الكبد الدهني غير الكحولي — استشارة أخصائي التغذية قبل إدخال اليقطين بانتظام في نظامهم الغذائي، خصوصًا إذا كان مصحوبًا بكميات كبيرة من الدهون أو السكريات.
كذلك ينطبق ذلك على مرضى المتلازمة الأيضية (السمنة المركزية، ارتفاع ضغط الدم، ارتفاع الدهون الثلاثية، ومقاومة الإنسولين)، إذ إن تراكم الدهون في الكبد قد يتفاقم عند سوء اختيار طريقة تحضير اليقطين أو تناوله مع أطعمة ترفع الحمل الأيضي.
وأخيرًا، يُنصح الأشخاص الذين يعانون من حساسية غذائية تجاه اليقطين أو اضطرابات هضمية مثل متلازمة القولون العصبي أو سوء امتصاص الدهون بتجنبه أو تناوله بجرعات تجريبية صغيرة تحت إشراف طبي.
باختصار، اليقطين ليس «دواءً سحريًّا» ولا «سمًّا خفيًّا» — بل هو عنصر غذائي قيّم يكتسب فوائده أو مخاطره حسب السياق الذي يُستهلك فيه. والصحة ليست في تمجيد مكون واحد، بل في التوازن، والاعتدال، والوعي بتفاعل الأغذية مع الحالة الفردية. فالمفتاح الحقيقي ليس ما تأكله، بل كيف تأكله — ولمن تأكله.