هل سمعتَ مؤخرًا عن اقتراحٍ غريبٍ يُوصي مرضى السكري بلعب «المهjong» كوسيلة للتحكم في مستويات السكر في الدم؟ فبعض المُتحمّسين يزعمون أن سحب بطاقة «الرياح الشرقية» قد يخفض مستوى الجلوكوز نقطتين، وأن الفوز بـ«التنقية الكاملة» (أي تجميع أوراق من نوع واحد فقط) قد يسمح بإيقاف الأدوية تمامًا! لكن قبل أن تُسرع إلى طاولة اللعب، ننصحك بالتأني والتفكير النقدي — فالحقيقة أعقد من ذلك بكثير.
من المؤكد أن لعب المهjong يحفّز الحركة اليدوية والنشاط العقلي، وقد يُسهم بشكل غير مباشر في إدارة مرض السكري، لكن هذا التأثير لا يُعوّض أبدًا عن العلاج الدوائي أو التغذية المتوازنة أو النشاط البدني المنتظم. والأهم أن ممارسة اللعبة دون وعيٍ صحي قد تُفاقم المخاطر بدلًا من تخفيفها.
أولًا: ما حقيقة تأثير الحركة اليدوية على التحكم في السكر؟
إن حركات خلط الأوراق وسحبها وترتيبها تتطلب انقباضات متكررة لعضلات اليدين والأصابع، وهي تماثل تمارين خفيفة لتحفيك الأعصاب الطرفية وتحسين التروية الدموية في الأطراف. وهذه الفائدة ذات أهمية خاصة لمرضى السكري الذين يعانون غالبًا من اعتلال الأعصاب الطرفي المصحوب بالخدر أو التنميل في اليدين والقدمين. كما أن التركيز الذهني المطلوب لحساب النقاط وتذكر ترتيب الأوراق يُنشط القشرة الجبهية، مما يرفع استهلاك الطاقة العقلية ويُسهم — ولو بشكل طفيف — في حرق السعرات الحرارية وتحسين الاستقلاب العام.
ثانيًا: لكن المخاطر الصحية الخفية لا تقل جديةً عن الفوائد المحتملة.
فالجلوس لفترات طويلة أمام طاولة اللعب دون حركة يُوقف وظيفة «ال pomp العضلي» في الساقين، ما يؤدي إلى ركود دوري وزيادة مقاومة الأنسولين، وبالتالي ارتفاع مستويات الجلوكوز في الدم. كما أن كبت الحاجة للتبول أثناء اللعب — وهو أمر شائع عند المُتحمّسين — يزيد الضغط على الكلى، ويُعقّد إدارة مضاعفات السكري الكلوية. أما التقلبات العاطفية الحادة، مثل النشوة عند الفوز أو الإحباط الشديد عند الخسارة، فهي تُحفّز إفراز الأدرينالين والكورتيزول، وهما هرمونان يرفعان سكر الدم بشكل مباشر، وقد يُفاقمان ضعف وظيفة البنكرياس لدى المرضى ذوي التحكم غير المستقر.
ثالثًا: إذا قرر المريض ممارسة اللعبة، فما القواعد الذهبية التي يجب اتباعها؟
ينبغي ألا تتجاوز مدة الجلسة ساعتين متواصلتين، مع أخذ استراحة كل دورين (أي كل 30–45 دقيقة) للوقوف والمشي قليلًا، أو القيام بتمارين إطالة بسيطة للأكتاف والكاحلين حتى لو بقي الشخص جالسًا. ويجب استبدال الوجبات الخفيفة التقليدية على الطاولة — كالملفوف المحمص أو الفول السوداني — بأطعمة منخفضة المؤشر الجلايسيمي مثل الخيار أو الطماطم الكرزية، وتجنب المشروبات السكرية تمامًا، والاكتفاء بالشاي الأخضر أو الماء. كما يُوصى بوضع جهاز قياس سكر الدم في مكان ظاهر على الطاولة لتذكير المريض بأهمية المراقبة الدورية، خاصة بعد الجلسات الطويلة أو في حال الشعور بأعراض مثل الدوخة أو التعرق.
وفي الختام، لا يُعتبر المهjong علاجًا طبيًّا، ولا بديلًا عن الأدوية أو التدخلات المثبتة علميًّا. وهو في أفضل أحواله نشاط اجتماعي مُرخٍ يُمكن أن يُدمج في نمط حياة صحي — بشرط أن يُمارس بوعيٍ كاملٍ وضوابط دقيقة. فالتحكم الأمثل في مرض السكري يبقى رهنًا بالالتزام بالعلاج الموصوف، والتغذية المحسوبة، والحركة المنتظمة، وفحص السكر الدوري. ولعل أول خطوة قبل الجلوس إلى طاولة اللعب تكون أداء تمارين بدنية بسيطة — كالتقاطع أو القرفصاء — لتذكير الجسم بأن الصحة تُبنى باستمرار، وليس بالحظ في سحب الورقة الصحيحة.