هل يُمنع مرضى السرطان من تناول البيض خوفًا من «تحفيز نمو الورم»؟ وهل يُغذي العسل الخلايا السرطانية حقًّا؟ هذه المزاعم تنتشر بشكل متكرر في وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن تشخيص الإصابة بالسرطان يعني الانقطاع التام عن أطباق الطعام المحبوبة. لكن الحقيقة الطبية تُخالف ذلك تمامًا: معظم هذه التوصيات لا تستند إلى أدلة علمية، والقائمة الفعلية للطعام الذي يجب تجنبه أثناء العلاج أقصر بكثير مما يتصوره الكثيرون.
أولًا: هل مفهوم «المأكولات المُحفِّزة» (الـ«فاو وو») له أساس طبي؟
المصطلح الصيني القديم «فاو وو» يشير عادةً إلى الأطعمة التي قد تُفاقم الحساسية أو تُشعل الالتهابات، لكن هذا المفهوم غير معترف به في الطب الحديث، ولا يوجد دليل سريري يربط بين تناولها وتفاقم السرطان أو انتشاره. ففي الغالب، لا يؤثر النظام الغذائي العادي — ما لم يكن مرتبطًا بحساسية فردية أو مرحلة علاجية محددة — على تطور المرض أو استجابة الجسم للعلاج.
ولا داعي للقلق المبالغ فيه من أطعمة مثل البيض والمحار ولحوم البقر والغنم، فهي مصادر غنية بالبروتين عالي الجودة، وهو عنصر أساسي لإصلاح الأنسجة ودعم وظائف المناعة، خاصةً بعد الجراحات أو خلال العلاج الكيميائي. شرط ذلك أن تكون خالية من الحساسية الشخصية، وأن تُحضَّر بطريقة صحية: مشوية أو مسلوقة، وبكميات معتدلة وخالية من الدهون الزائدة أو التوابل الحارة المهيجة.
ثانيًا: ما هي الأطعمة التي تستحق التحذير الفعلي؟
الكحول ومشتقاته — حتى تلك المُقدَّمة على أنها «أدوية تقليدية» مثل المشروبات العشبية المخمرة أو نبيذ الأرز — تُعد من أكثر الممنوعات خطورة. فالأسيتالدهيد، وهو أحد نواتج أيض الكحول، يُضعف فعالية العديد من أدوية العلاج الكيميائي والمناعي، ويُحمِّل الكبد عبئًا إضافيًا قد يُعيق وظائفه الحيوية، خاصةً لدى المرضى الذين يعانون من تلف كبدي ناتج عن العلاج أو المرض نفسه.
كذلك يجب تجنُّب الأطعمة غير المطهية جيدًا تمامًا: كالسمك النيء (السوشي)، والبيض شبه المطهو، والستيك النادر. فهذه الأصناف قد تحمل طفيليات أو بكتيريا ضارة (مثل السالمونيلا أو الليستيريا)، وتُشكِّل خطرًا جسيمًا على المرضى ذوي المناعة المُثبَّطة — وهي حالة شائعة أثناء العلاج الكيميائي أو بعد زراعة الخلايا الجذعية.
أما اللحوم المصنعة — كالبيكون والهوت دوج واللحوم المدخنة — فهي مصنَّفة من قِبل منظمة الصحة العالمية كمواد مسرطنة من الفئة الأولى، أي ذات دليل قاطع على قدرتها على التسبب في السرطان، وذلك بسبب احتوائها على النترات والنيتريت والمركبات الهيدروكربونية العطرية الناتجة عن عمليات التدخين أو التحميص عند درجات حرارة عالية.
ثالثًا: التخصُّص هو المفتاح — وليس القوائم العامة
الاحتياجات الغذائية لمرضى السرطان ليست موحدة، بل تتغير حسب نوع العلاج ومرحلة المرض والحالات المرضية المصاحبة. فعلى سبيل المثال، قد يُنصح المريض الخاضع للعلاج الإشعاعي للرأس والعنق بتجنب الأطعمة الحارة أو الحمضية أو الخشنة، لتجنُّب تهيج الغشاء المخاطي المتضرر في البلعوم والمريء. كما أن تناول الجريب فروت أو عصيره يُمنع تمامًا أثناء العلاج ببعض الأدوية المستهدفة (مثل إرتسيتينيب أو سيليتينيب)، لأنه يثبط إنزيم «CYP3A4» في الكبد، ما يؤدي إلى رفع تركيز الدواء في الدم إلى مستويات سامة.
وبالمثل، فإن وجود أمراض مزمنة مصاحبة — كالسكري أو قصور وظائف الكلى أو أمراض القلب — يتطلب تعديلات غذائية دقيقة: فالسكري يستدعي التحكم في مؤشر ارتفاع السكر في الدم (GI)، بينما يتطلب قصور الكلى تقييد البروتين عالي البيولوجيا، وضبط كميات الصوديوم والبوتاسيوم والفوسفور بدقة. وفي كثير من الحالات، تكون هذه الأمراض المزمنة هي التي تُحدد خيارات التغذية أكثر من السرطان نفسه.
وبالتالي، بدلًا من الانشغال بالخرافات الغذائية المنتشرة دون سند علمي، يبقى التركيز على التوازن الغذائي الشامل هو الاستراتيجية الأكثر فاعلية: تنوُّع في المصادر البروتينية (نباتية وحيوانية)، وإدراج وافر من الخضراوات والفواكه الطازجة، واختيار الحبوب الكاملة بدلًا من المكررة، مع ضمان كفاية السوائل وتجنب الجفاف. وفي الحالات المعقدة أو عند وجود فقدان وزن غير مبرر أو سوء تغذية، يُوصى بشدة باستشارة أخصائي تغذية سريري متمرِّس في أورام، ليُعد خطة غذائية فردية مبنية على التقييم السريري والمخبري، تدعم قوة الجسم وقدرته على تحمل العلاج ومكافحة المرض.