تُعَدُّ الموزة من أكثر الفواكه استهلاكًا في العالم، بفضل طعمها الحلو اللطيف وقوامها الناعم، إضافةً إلى سهولة حملها وتناولها. لكن في الآونة الأخيرة، ازدادت التساؤلات حول مدى أمان تناول الموز لمرضى الذبحة الصدرية (الاعتلال التاجي)، بل وانتشرت معلومات غير دقيقة تشير إلى أن تناوله قد يعرّض هؤلاء المرضى لمخاطر جسيمة. فهل يتعيّن على مريض القلب حقًّا التوقف عن تناول هذه الفاكهة المغذية؟
في الواقع، لا يوجد سبب علمي يمنع مرضى الذبحة الصدرية من تناول الموز بشكل عام، شريطة الالتزام بمبادئ التغذية المتوازنة والمراعاة الدقيقة للحالة الصحية الفردية. فالعلاقة بين الموز وصحة القلب ليست بسيطة أو ثنائية، بل تتطلب فهمًا دقيقًا لمحتواه الغذائي وتأثيره المحتمل في سياق العلاج الدوائي والحالات المرضية المصاحبة.
أولاً، يُعدُّ الموز مصدرًا غنيًّا بالبوتاسيوم، وهو معدن أساسي لتنظيم نشاط العضلة القلبية وضبط ضغط الدم. ويساعد البوتاسيوم الكافي — ضمن الحدود الآمنة — في موازنة تأثير الصوديوم، مما يدعم صحة الأوعية الدموية ويقلل من خطر ارتفاع الضغط، وهو عامل خطر رئيسي في تطور أمراض القلب التاجية. كما يحتوي الموز على ألياف غذائية قابلة للذوبان، مثل البكتين، التي تساهم في خفض مستويات الكوليسترول الضار (LDL) وتثبيط تكوّن اللويحات التصلبية في الشرايين.
ثانياً، يجب أخذ بعض التحذيرات في الاعتبار. فعلى الرغم من فوائده، فإن الموز الناضج يحتوي على نسبة مرتفعة نسبيًّا من السكريات الطبيعية، ومعدل ارتفاع السكر في الدم (GI) له يقع في الفئة المتوسطة. ولذلك، قد يؤثر الإفراط في تناوله — خاصةً دون توازن غذائي — على تحكم مرضى السكري المصاحب للذبحة الصدرية في مستويات الجلوكوز، ما ينعكس سلبًا على صحة الأوعية الدموية. كما أن تناول كميات كبيرة منه دفعة واحدة قد يسبب اضطرابات هضمية خفيفة، خصوصًا لدى كبار السن أو ذوي الحركة المعوية البطيئة.
ثالثاً، تبرز الحاجة إلى الحيطة والحذر في حالات معينة. فالمصابون باضطرابات وظائف الكلى — وهي حالة شائعة بين مرضى القلب المتقدمين — قد يواجهون صعوبة في إخراج البوتاسيوم الزائد من الجسم، ما يؤدي إلى ارتفاع خطير في مستوياته في الدم (فرط بوتاسيوم الدم)، الذي قد يسبب اضطرابات نظم القلب وحتى توقف القلب في الحالات الشديدة. كذلك، قد يتفاعل البوتاسيوم الزائد مع بعض الأدوية المستخدمة في علاج أمراض القلب، مثل مثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين (ACE inhibitors) أو مدرات البول الحافظة للبوتاسيوم، ما يستدعي مراقبة دقيقة لمستويات هذا المعدن.
وبناءً عليه، يُوصى باتباع نهج عملي وآمن: فيجب ألا يتجاوز الاستهلاك اليومي للموز حبة واحدة متوسطة الحجم (حوالي 118 غرامًا) لمعظم مرضى الذبحة الصدرية الأصحاء كلوياً. ويُفضّل اختيار الثمار ذات النضج المعتدل أو قليلة النضج (الأخضر المائل)، لأنها تحتوي على سكريات أقل وألياف أكثر، ما يساعد في تنظيم امتصاص الجلوكوز. كما يُنصح بعدم تناول الموز على معدة فارغة، بل دمجه مع مصدر بروتيني أو دهني خفيف — كاللبن الزبادي أو حفنة من المكسرات — لتباطؤ ارتفاع السكر في الدم وتحسين الشبع.
ختامًا، لا يُعدُّ الموز عدواً للقلب، بل هو جزءٌ مفيد من النظام الغذائي الوقائي ضد الأمراض القلبية الوعائية، شريطة التحكم في الكمّ واختيار النوع المناسب ومراعاة الخلفية المرضية والعلاجية لكل مريض. والتغذية الصحية ليست في تجنّب أطعمة محددة، بل في التوازن والاعتدال والفهم العلمي. ولذلك، يبقى الاستشارة الغذائية المخصصة مع أخصائي تغذية متمرّس أو طبيب قلب مختص الخطوة الأولى والأكثر أمانًا قبل إدخال أي تعديل جذري على النظام الغذائي.