في فصلي الربيع والصيف، تنتشر في شوارع المدن العربية أكشاك بيع عصير قصب السكر الطازج، حيث يُجذب رائحته الحلوة المنعشة المارةَ، فيقفون لشراء كوبٍ منه على عجل. لكن ما لا يدركه الكثيرون أن هذا المشروب «الطبيعي» الذي يبدو آمناً وصحياً قد يحمل مخاطر صحية جسيمة، خصوصاً عند تحضيره في الأماكن العامة دون ضوابط صحية صارمة.
أولاً: المخاطر الصحية المرتبطة بعصير القصب المُحضَّر في الأماكن العامة
تتمثل أبرز المخاوف في غياب الشروط الأساسية للنظافة أثناء التحضير. فالآلات المستخدمة غالباً ما تكون مكشوفة للهواء الطلق، مما يسمح بترسب الغبار، وجزيئات العوادم، والملوثات الجوية على أسطحها وأجزاء التقطيع. كما أن عملية العصر تتم دون اتخاذ إجراءات وقائية مثل ارتداء القفازات أو تغطية الشعر، ما يزيد من احتمال التلوث البكتيري والفيروسي. أما فيما يخص المواد الأولية، فإن العديد من البائعين يتركون سيقان القصب مكشوفة على الأرض أو تحت أشعة الشمس المباشرة لساعات طويلة، خاصة في الأجواء الدافئة التي تسود فصلي الربيع والصيف، مما يُسرّع نمو البكتيريا والعفن على السطح وعلى الأنسجة الداخلية للقصب، خصوصاً مع ارتفاع محتواه الطبيعي من السكريات.
أما أدوات التحضير نفسها، فغالباً ما تفتقر إلى التعقيم الكافي؛ إذ يكتفي البائعون بشطف سكين العصر ومخرج العصير بالماء فقط، دون استخدام مواد مطهرة أو حرارة كافية لإزالة الرواسب السوداء المتراكمة في الشقوق والتجاويف — وهي بيئة خصبة لتكاثر الميكروبات الممرضة، وقد تؤدي إلى التلوث المتبادل بين دفعات العصير المختلفة.
ثانياً: المخاطر الخفية وراء «الطبيعة» الظاهرة
لا يقتصر الخطر على سوء النظافة فحسب، بل يمتد إلى مراحل سابقة في سلسلة الإنتاج: فقد يتعرض قصب السكر للتلوث أثناء الزراعة عبر متبقيات المبيدات الحشرية أو الملوثات التربية، كما قد يصاب بالعدوى الفطرية أثناء التخزين أو النقل. وفي غياب عمليات الغسل والتعقيم المهنية، تنتقل هذه الملوثات مباشرةً إلى العصير النهائي.
ومن الناحية التغذوية، فإن كوباً واحداً من عصير القصب الطازج (حوالي 300 مل) يتطلب عصراً لسيقان قصب متعددة، ما يعادل استهلاك كمية كبيرة من السكريات المركزة في فترة زمنية قصيرة. وهذا يشكل عبئاً كبيراً على تنظيم مستويات الجلوكوز في الدم، وقد يساهم في زيادة الوزن أو تفاقم حالات مقاومة الإنسولين لدى الأشخاص المعرّضين.
والأكثر خطورة هو احتمال تسمم القصب المتحلل: فعند تغير درجات الحرارة أو طول فترة التخزين غير المناسب، قد ينمو فطر Arthrinium spp. (الذي يُعرف محلياً باسم «عفن القصب السام») داخل السيقان، ويُنتج سموماً مثل «3-نيتروبروبيونيك أسيد» (3-NPA)، والتي تسبب أعراض تسمم حاد تشمل الغثيان، والتقيؤ، والدوخة، وتشنجات عضلية، بل وقد تصل إلى تلف الجهاز العصبي المركزي في الحالات الشديدة — خاصة إذا تم تناول العصير دون اكتشاف التغير في اللون أو الطعم أو الرائحة.
ثالثاً: كيف تستمتع بقصب السكر بأمان؟
يوصي الخبراء باعتماد طرق أكثر أماناً للاستفادة من فوائد قصب السكر دون التعرّض لمخاطره. فمن الأفضل شراء القصب من محلات البقالة أو السوبرماركت المرخصة، مع التأكد من سلامة القشرة الخارجية، وخلوها من البقع البنية أو السوداء أو أي علامات للعفن أو الانبعاج أو الرائحة الكريهية. ويُفضّل اختيار السيقان ذات القشرة اللامعة، والمقطع المنتظم، والرائحة العطرية الطبيعية.
أما إن أمكن، فيُنصح بإعداد العصير في المنزل باستخدام آلة عصر احترافية أو حتى مفرمة كهربائية نظيفة، بعد غسل القصب جيداً تحت الماء الجاري، ثم تقشيره بالكامل لإزالة الطبقة الخارجية التي تتراكم عليها الملوثات، مع تعقيم الأدوات بمحلول مطهر أو غليها قبل الاستخدام.
وأخيراً، حتى في حالة العصير المنزلي الآمن، يجب التحكم في الكميات: فلا يُنصح بتناول أكثر من 200 مل يومياً، ويفضّل تناوله بعد الوجبات وليس على الريق، لتجنب الارتفاع المفاجئ في سكر الدم. كما يُنصح مرضى السكري والأشخاص الذين يعانون من السمنة أو أمراض القلب والأوعية الدموية بتجنبه تماماً أو استشارة الطبيب قبل تضمينه في النظام الغذائي.
إن جاذبية الأطعمة والمشروبات الشارعية لا يمكن إنكارها، لكن الصحة لا تُقاس بالحظ أو التجربة العابرة. فالاستمتاع بطعم قصب السكر لا يتطلب التضحية بالسلامة، بل يحتاج إلى وعيٍ واختيارات مدروسة — لأن الوقاية من المخاطر الغذائية تبقى دائماً أيسر من علاج عواقبها.