يُعَدّ السمك من أبرز مصادر البروتين عالي الجودة في النظام الغذائي، بفضل احتوائه على الأحماض الأمينية الضرورية والدهون غير المشبعة مثل أوميغا-٣، ما يجعله خياراً غذائياً مفضلاً لدى كثير من الأسر. ومع ذلك، فإن «السمك» ليس كتلة واحدة متجانسة من حيث السلامة الغذائية أو التأثير على الصحة؛ فبعض الأنواع قد يحمل خطراً خفياً يتراكم تدريجياً على أعضاء حيوية مثل الكبد والكلى، خاصة عند الاستهلاك المتكرر أو غير المدروس.
ويُبرز خبراء التغذية والأمراض الباطنية أربعة أنواع رئيسية من الأسماك التي ينبغي الحذر منها، ليس بسبب نقص قيمتها الغذائية، بل بسبب عوامل تلوث أو معالجة أو أصل غير آمن قد تحوّلها من عنصر غذائي مفيد إلى عبء بيولوجي على الجسم.
أولاً: الأسماك المفترسة الكبيرة من أعماق المحيط
مثل التونة الكبيرة، والمارلين، وسمك أبو سيف، وسمك القرش. وتتميّز هذه الأنواع بأنها تشغل قمة السلسلة الغذائية البحرية، وتتراوح أعمارها بين عدة عقود، ما يتيح لها تراكم كميات كبيرة من الزئبق العضوي (الميثيل زئبق) في أنسجتها. ويُعد الزئبق معدناً ثقيلاً لا يُستقلب في الجسم، بل يترسب تدريجياً في الكبد والكلى، ويُعيق وظائفهما التنظيفية الأساسية: فالكبد يفقد جزءاً من قدرته على إزالة السموم، بينما تنخفض كفاءة الكلى في ترشيح الفضلات والحفاظ على توازن الإلكتروليتات.
ويوصي أطباء التغذية بعدم تجاوز وجبتين أسبوعياً من هذه الأنواع للبالغين الأصحاء، أما الحوامل والأطفال دون سن ١٢ عاماً فيُنصح بالامتناع عنها تماماً، نظراً لحساسية الجهاز العصبي النامي تجاه الزئبق. ويُعتبر سمك السلمون الصغير، والرنكة، والسردين، والماكاريل خيارات بديلة آمنة غنية بالبروتين وأوميغا-٣ دون مخاطر تراكم المعادن الثقيلة.
ثانياً: الأسماك المملحة أو المدخنة
تعتمد هذه الطريقة في التحضير على كميات عالية من الملح (كلوريد الصوديوم)، ما يؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في استهلاك الصوديوم اليومي. وعند تجاوز الحد الموصى به (١٥٠٠–٢٣٠٠ ملغ يومياً)، يضطر الكلى إلى بذل جهد إضافي للإبقاء على توازن السوائل والضغط الدموي، ما قد يُسرّع من تلف الوحدات الكلوية (النيفرونات) على المدى الطويل، خاصة لدى مرضى ارتفاع ضغط الدم أو أمراض الكلى المزمنة.
كذلك، فإن عمليات التخمير والتمليح قد تؤدي إلى تكون نترات ونترات صوديوم، والتي تتحول في البيئة الحمضية للمعدة أو تحت تأثير البكتيريا إلى نيتروزامينات — وهي مركبات مسرطنة معروفة تُحفّز تغيّرات جزيئية في خلايا الكبد، وقد تساهم في تطور التهاب الكبد المزمن أو تليفه إذا تكررت التعرّضات.
ثالثاً: الأسماك البرية غير المُصنّفة أو ذات المصدر المجهول
قد تبدو هذه الأسماك جذابة بسبب طعمها «الطبيعي» أو سعرها المنخفض، لكن غياب الرقابة على مناطق الصيد يشكّل خطراً حقيقياً. فالمياه الجوفية أو الأنهار القريبة من المناطق الصناعية أو الزراعية قد تتلوث بمخلفات المعادن الثقيلة (كالرصاص والكادميوم)، أو المبيدات العضوية الثابتة (مثل الـPCBs)، أو حتى مخلفات الأدوية البيطرية. وتتراكم هذه المركبات في أنسجة السمك بنسبة أعلى بكثير مما في الماء المحيط بها، لتنتقل مباشرة إلى المستهلك دون أي تحذير.
وبالإضافة إلى التلوث الكيميائي، فإن الأسماك البرية غير الخاضعة للتفتيش البيطري تشكل بيئة خصبة لطفيليات مثل دودة «الأنسيلاستوما» أو شريطية «ديفيلا»، والتي قد تبقى حية في اللحم إذا لم تُطبّق درجات حرارة كافية أثناء الطهي (أقل درجة آمنة هي ٦٣°م لمدة ١٥ دقيقة). وبمجرد دخولها الجسم، يمكن لهذه الطفيليات أن تهاجر إلى الكبد أو الكلى، وتسبب التهابات مزمنة، وانسدادات في القنوات الصفراوية أو الأنابيب الكلوية، بل وقد تؤدي إلى فشل عضوي في الحالات الشديدة.
رابعاً: الأسماك المُجمدة ثم المُذابة أكثر من مرة
يعتبر التجميد المتكرر أحد أخطر ممارسات التخزين المنزلية أو التجارية. فكل دورة تجميد-إذابة تُحدث تمزقات في أغشية الخلايا العضلية، ما يؤدي إلى تسرب العصائر الغنية بالبروتينات والإنزيمات، وخلق بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا الضارة مثل «الليستيريا» و«السيروتوكوكوس». وبعض هذه الكائنات تنتج سموماً حرارية لا تتحلل بالطهي، وتستهدف الكبد والكلى كأول خط دفاع ضد السموم، ما قد يسبب التهاباً حاداً أو حتى نوبة كبدية أو كلوية.
كذلك، فإن التعرض المتكرر للحرارة والهواء خلال عمليات الإذابة يُسرّع أكسدة الدهون غير المشبعة، ويُفكك الفيتامينات الذائبة في الدهون (مثل فيتامين D وE)، ويُ денاتور البروتينات، ما يقلل القيمة الغذائية للسمك، ويجعل هضمها أصعب، فيُرهق الجهاز الهضمي والكبد معاً لإنتاج إنزيمات إضافية للتخلص من النواتج الثانوية غير المكتملة.
وبالتالي، فإن اختيار السمك ليس مسألة ذوق أو سعر فقط، بل هو قرار وقائي يمس صحة الأعضاء الحيوية. ولضمان الاستفادة القصوى من فوائد الأسماك دون تعريض الكبد والكلى للإجهاد، يُوصى باعتماد مبدأ «الاختيار الذكي»: الترجيح للأسماك الصغيرة الطازجة ذات المصدر الموثوق، والطهي بالبخار أو الغلي اللطيف بدلاً من القلي العميق أو التدخين، والامتناع التام عن الأنواع المذكورة أعلاه أو تقييد استهلاكها بأدنى حد ممكن. فالعناية بالكبد والكلى لا تبدأ بالعلاج، بل تبدأ على طاولة الطعام.