البنكرياس، ذلك العضو الصغير المختبئ خلف المعدة، يمرّ عادةً دون أن يلفت انتباهنا، رغم دوره الحيوي في هضم الطعام وتنظيم مستويات السكر في الدم. لكن في السنوات الأخيرة، بدأت مشكلات البنكرياس تظهر بشكل متزايد في المشهد الصحي العام، مع ارتفاع ملحوظ في معدلات الإصابة بأمراض خطيرة مثل التهاب البنكرياس المزمن وسرطان البنكرياس. فما السبب في هذا الارتفاع؟ ربما يكمن الجواب في ما نضعه على أطباقنا يوميًا، وفي العادات التي نمارسها دون وعيٍ بتأثيرها الضار على هذا العضو الحساس.
أولاً: ثلاثة أنواع من الأطعمة يُنصح بالابتعاد عنها تمامًا
١. الأغذية المُعالَجة بكثافة: تشمل الوجبات السريعة، والحلويات المعبأة، والمعلبات، والمقبلات الجاهزة. فهي غالبًا غنية بالمواد الحافظة، والملونات الصناعية، والدهون المهدرجة، والتي تُثقل كاهل الجهاز الهضمي وتُخلّ بعملية إفراز الإنزيمات البنكرياسية بشكل طبيعي. وبمرور الوقت، قد تؤدي إلى التهاب مزمن في أنسجة البنكرياس أو تزيد من خطر تحوّله الخبيث.
٢. الأطعمة الغنية بالدهون المشبعة والمتحولة: مثل الدجاج المقلي، واللحوم المشوية على الفحم، والشوربات الدسمة. فالدهون العالية تتطلب إفراز كميات كبيرة من الليباز والإنزيمات الهضمية الأخرى من البنكرياس، ما يُجهد العضو على نحو مزمن. وهذا الجهد المتكرر يشبه تشغيل محرك سيارة فوق طاقته لفترات طويلة — لا بد أن يؤدي في النهاية إلى عطل وظيفي أو تلف في الأنسجة.
٣. السكريات المكررة بكميات زائدة: لا يقتصر الخطر على الحلوى التقليدية، بل يمتد إلى المشروبات المحلاة (مثل الشاي المثلج والمشروبات الغازية)، والمعجنات، والكعكات، وحتى بعض أنواع الزبادي والصلصات الجاهزة. فهذه المصادر توفر جرعات عالية من الجلوكوز والفركتوز التي تُحفّز البنكرياس لإفراز كميات مفرطة من الإنسولين، ما قد يؤدي إلى مقاومة الإنسولين، ثم إلى داء السكري من النوع الثاني، بل وقد يساهم في تطور التهاب البنكرياس أو الأورام البنكرياسية عبر آليات التهابية وأكسدة خلوية.
ثانياً: عادتان ضارتان يجب تصحيحهما فورًا
١. التدخين والكحول معًا أو منفصلين: فالنيكوتين والقطران في دخان السجائر يسببان تهيجًا مباشرًا لأنسجة البنكرياس، بينما يتحول الإيثانول في الكبد إلى أسيتالدهيد — مادة سامة تُلحق أضرارًا جسيمة بالخلايا البنكرياسية. وعند الجمع بين العادتين، يرتفع خطر الإصابة بالتهاب البنكرياس الحاد بنسبة تفوق ٥ أضعاف، كما يزداد احتمال التحول الخبيث للأنسجة بنسبة تتجاوز ١٥ مرة مقارنةً بالأشخاص غير المدخنين وغير الشربين.
٢. السهر المزمن وانتظام مواعيد النوم: فالإيقاع اليومي (Circadian rhythm) يؤثر مباشرةً على وظائف الغدد الصماء، ومنها البنكرياس الذي ينظم إفراز الإنسولين والجلوكاجون وفق إشارات هرمونية مرتبطة بالنوم والاستيقاظ. والسهر يُربك هذه الآلية، ويُضعف استجابة البنكرياس للجلوكوز. أما تناول الوجبات الليلية المتأخرة، فيُجبر الجهاز الهضمي على العمل أثناء فترة الراحة البيولوجية، ما يرفع من خطر اضطرابات إفراز الإنزيمات وزيادة التوتر التأكسدي في الأنسجة البنكرياسية.
ثالثاً: إشارات تحذيرية لا ينبغي تجاهلها
١. فقدان وزن غير مبرر: خاصة إذا تجاوز ٥ كجم خلال شهرين دون حمية أو زيادة في النشاط البدني، وترافق مع انخفاض الشهية أو انتفاخ مستمر أو براز دهني (стеаторيا)، فهذه علامات تنذر باضطراب في وظيفة البنكرياس الهضمية أو وجود ورم يعيق إفراز الإنزيمات.
٢. ألم بطني مستمر في الجزء العلوي من البطن: يتميز عادةً بأنه عميق، ثابت أو متقطع، وقد يشع إلى الظهر، ويتفاقم عند الاستلقاء على الظهر، ويتحسن قليلًا عند الانحناء للأمام. وهو ألم لا يرتبط غالبًا بالوجع العضلي أو الهضمي البسيط، بل يعكس ضغطًا أو التهابًا في البنكرياس نفسه أو في القنوات المرارية المجاورة.
٣. اليرقان (اصفرار الجلد وبياض العينين): وغالبًا ما يصاحبه براز فاتح اللون وبول داكن، نتيجة انسداد القناة الصفراوية بسبب ورم بنكرياسي في الرأس البنكرياسي — وهي علامة متأخرة لكنها ذات دلالة تشخيصية قوية تستدعي تقييمًا فوريًا بالتصوير المقطعي أو التصوير بالرنين المغناطيسي.
المشكلة الكبرى في أمراض البنكرياس أنها تتطور بصمتٍ لفترة طويلة، إذ قد تمر سنوات قبل ظهور الأعراض الواضحة، مما يجعل التشخيص المبكر صعبًا، والتدخل العلاجي أقل فعالية. ولذلك، فإن الوقاية ليست رفاهية، بل ضرورة طبية ملحة. فالتعديلات الغذائية المدروسة، والامتناع عن العوامل المسرطنة، واحترام الإيقاع البيولوجي للجسم، بالإضافة إلى الفحوصات الدورية (خاصةً لمن لديهم عوامل خطر مثل السمنة، أو داء السكري المبكر، أو تاريخ عائلي لأمراض البنكرياس)، كلها خطوات عملية تُشكّل الدرع الحقيقي لحماية هذا العضو الحيوي. فالصحة لا تُبنى في العيادات فقط، بل تُصنع يوميًا على مائدتنا، وفي نمط حياتنا، وقبل أن يُطلق الجسم صفارات الإنذار.