هل تعتقد أن إدارة مرض السكري تقتصر فقط على التحكم في مستويات الجلوكوز في الدم؟ ففي العيادات الطبية، لاحظ الأطباء ظاهرةً مثيرةً للانتباه: المرضى المصابون بالسكري والذين يحرصون بانتظام على تعويض نقص فيتامين «د» يلاحظ عليهم تحسُّنٌ ملحوظٌ في عدة وظائف جسدية، حتى دون تغييرات جذرية في خطة العلاج الدوائي أو النظام الغذائي. وهذا الفيتامين، الذي يُنتَج طبيعيًّا في الجلد عند التعرُّض لأشعة الشمس فوق البنفسجية، لا يلعب دورًا حيويًّا في امتصاص الكالسيوم فحسب، بل يشارك أيضًا في تنظيم عمليات بيولوجية معقدة تؤثر مباشرةً على مسار المرض ومضاعفاته.
أولًا: تحسين التحكم في مستويات السكر في الدم
يُعزِّز فيتامين «د» حساسية الخلايا للإنسولين، كأنه يُفعِّل «مستقبلات الجلوكوز» على سطح الخلايا، مما يسهِّل دخول السكر إليها ويقلل من مقاومة الإنسولين — وهي حالة شائعة جدًّا بين مرضى السكري من النمط الثاني. كما يحمي فيتامين «د» خلايا بيتا في البنكرياس المسؤولة عن إفراز الإنسولين من الإجهاد التأكسدي والالتهاب المزمن، ما يبطئ تدهور وظيفتها ويحافظ على قدرة الجسم على تنظيم الجلوكوز على المدى الطويل.
ثانيًا: حماية القلب والأوعية الدموية
يُعد ارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون في الدم من أبرز عوامل الخطر لدى مرضى السكري. ويُظهر البحث أن فيتامين «د» ينظم نظام «الرينين-أنجيوتنسين»، ما يساهم في استقرار ضغط الدم وتقليل التوتر الوعائي. كما يساعد في تحسين ملف الدهون عبر خفض مستويات الكوليسترول الضار (LDL) ورفع مستويات الكوليسترول الجيد (HDL)، ما يقلل من ترسب اللويحات في الشرايين ويحسن تدفق الدم.
ثالثًا: دعم صحة العظام والمفاصل
يزيد مرض السكري من خطر هشاشة العظام بسبب اضطرابات في استقلاب الكالسيوم وفيتامين «د»، خاصةً في حالات السكري من النمط الأول. وهنا يبرز الدور الحيوي لهذا الفيتامين كعامل أساسي في امتصاص الكالسيوم من الأمعاء وترسيبه في العظم، ما يقوّي الهيكل العظمي ويقلل خطر الكسور. كما أن لفيتامين «د» تأثيرًا مضادًّا للالتهاب يخفف من آلام المفاصل والتوتر العضلي الشائع لدى المرضى، عبر تقليل إفراز السيتوكينات الالتهابية في الغشاء الزليلي.
رابعًا: الحماية العصبية وتحسين الصحة النفسية
تُعتبر اعتلالات الأعصاب السكري — مثل التنميل، الوخز، أو فقدان الإحساس في الأطراف — من المضاعفات المبكرة والشائعة. وارتبط نقص فيتامين «د» بشكل واضح بتدهور الغلاف النخاعي للأعصاب وزيادة تلف الألياف العصبية الطرفية. أما التعويض المنتظم، فيُسهم في إصلاح هذه الآليات وإعادة توازن الإشارات العصبية. ومن النواحي النفسية، يشارك الفيتامين في تصنيع الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين، ما يُقلل من أعراض القلق والاكتئاب التي ترتفع نسبتها بين مرضى السكري بنسبة تتجاوز 20% مقارنةً بالسكان العامين.
خامسًا: تعزيز المناعة ومكافحة الالتهاب المزمن
يُضعف ارتفاع السكر في الدم وظيفة الخلايا المناعية مثل البلاعم والخلايا التائية، ما يجعل المريض أكثر عرضةً للعدوى المتكررة — كالتهابات الجهاز التنفسي أو المسالك البولية. وفي المقابل، يُحفِّز فيتامين «د» إنتاج الببتيدات المضادة للميكروبات ويُنظِّم الاستجابة المناعية، فيقلل من حدوث العدوى ويساعد في السيطرة على التهاب الأنسجة المزمن الذي يُعَدُّ المحرك الرئيسي لتطور المضاعفات الوعائية والعصبية والكبدية.
إذن، لا يُنظر إلى فيتامين «د» اليوم كمكمل غذائي عادي، بل كعامل علاجي تكميلي استراتيجي في إدارة السكري. ومع ذلك، فإن الجرعات المطلوبة تختلف باختلاف العمر، ودرجة النقص، ونوع السكري، ووجود أمراض مصاحبة — لذا لا يجوز البدء بالتعويض دون قياس مستوى «25-هيدروكسي فيتامين د» في الدم واستشارة طبيب الغدد الصماء أو أخصائي التغذية السريرية. وأخيرًا، لا تنسَ أن التعرُّض الآمن لأشعة الشمس لمدة 15–20 دقيقة يوميًّا، مع تغطية الوجه واليدين، يُعدُّ مصدرًا طبيعيًّا فعّالًا وآمنًا لهذا الفيتامين — فاجعل من الربيع فرصةً لتجديد صحتك، ليس بالدواء وحده، بل بالشمس والعلم معًا.