أصبحت الكمّثري، تلك الفاكهة المألوفة في مائدتنا اليومية، محط اهتمامٍ طبيٍّ واسعٍ مؤخرًا بعد نشر دراسة علمية حديثة أبرزت فوائدها الاستثنائية لصحة الجهاز التنفسي، لا سيما الرئتين. فبينما يُنظر إليها عادةً على أنها وسيلة ترطيبٍ منعشة أو حلوى طبيعية خفيفة، كشفت الأبحاث أن استهلاكها المنتظم قد يُسهم بشكلٍ فعّالٍ في دعم وظائف الرئة وتحسين مقاومتها للعوامل الضارة.
أولًا: الآليات العلمية التي تدعم صحة الرئة عبر الكمّثري
تشير الدراسات السريرية والتجريبية إلى ثلاث آليات رئيسية تفسّر التأثير الإيجابي للكمّثري على الجهاز التنفسي: أولًا، قدرتها على تنقية المجاري التنفسية بفضل احتوائها على نسبة عالية من الألياف الغذائية والماء، ما يعزز إفراز وإخراج المخاط الزائد ويقلل من تراكم الجسيمات الغريبة في الشعب الهوائية. ثانيًا، احتواؤها على مركبات نباتية فعّالة — مثل الكيرسيتين والفلوريدزين — التي تمتلك خصائص مضادة للالتهاب، مما يخفف من التهابات الحنجرة والقصبات الهوائية الخفيفة، خاصة لدى الأشخاص المعرضين للسعال المتكرر أو التهابات الجهاز التنفسي العلوية. ثالثًا، دور مضادات الأكسدة الطبيعية الموجودة في الكمّثري — كالفيتامين ج والبوليفينولات — في حماية خلايا النسيج الرئوي من الإجهاد التأكسدي الناتج عن التلوث أو التدخين أو الشيخوخة، وهو ما يرتبط ارتباطًا مباشرًا بتحسن المؤشرات الوظيفية للرئة مثل سعة التنفس القسري (FEV1) وتدفق الهواء.
ثانيًا: أفضل طرق استهلاك الكمّثري لتحقيق أقصى فائدة صحية
للاستفادة الكاملة من هذه الفوائد، يُوصى باعتماد أساليب تناول مدروسة: أولًا، يُفضَّل أكل الكمّثري مع قشرتها بعد غسلها جيدًا، لأن القشرة تحتوي على تركيز مرتفع من الألياف القابلة للذوبان والمركبات النباتية النشطة مقارنةً باللب. ثانيًا، يجب اختيار الثمرة الناضجة تمامًا، والتي تتميز بمرونة خفيفة عند الضغط بلطف على منطقة الساق (الجزء العلوي القريب من الساق)، إذ إن الثمار غير الناضجة تكون صلبة وقليلة العصارة، بينما تفقد الثمار المفرطة النضج جزءًا كبيرًا من قيمتها الغذائية ومضادات الأكسدة. ثالثًا، يُنصح بتجنب تناول الكمّثري مع أطعمة ذات طبيعة باردة جدًّا — مثل الخيار أو البطيخ أو اللبن البارد — خاصةً لدى ذوي المعدة الضعيفة أو البرودة المزمنة في الجهاز الهضمي، كما ينبغي لمصابي السكري الانتباه إلى كمية الاستهلاك بسبب احتوائها على سكريات طبيعية ذات مؤشر جلايسيمي متوسط، مع ضرورة مراقبة مستويات الجلوكوز بعد تناولها.
ثالثًا: وصفات غذائية مُقترحة لكبار السن لتعزيز صحة الرئة
بالنظر إلى ازدياد احتمالية الإصابة باضطرابات تنفسية مع التقدم في العمر، فإن دمج الكمّثري في وصفات لطيفة وسهلة الهضم يُعد خيارًا استراتيجيًّا: أولًا، «شوربة الكمّثري والكنافة الفطرية» (أو ما يُعرف بـ«الإير-فو»)، حيث تُطبخ قطع الكمّثري مع كنافة فطرية منقوعة ومُصفّاة، ما يجمع بين الترطيب العميق ودعم إنتاج الكولاجين في الأنسجة الرئوية. ثانيًا، «عصيدة الشوفان بالكمّثري»، وهي وجبة إفطار غنية بالألياف الذائبة وغير الذائبة، تعزز الشبع وتُنظّم حركة الأمعاء، مع تحسين امتصاص العناصر الداعمة للمناعة. ثالثًا، «ماء الكمّثري والعسل»، الذي يُحضّر بنقع شرائح الكمّثري في ماء فاتر مع ملعقة صغيرة من عسل النحل الطبيعي، وهو مشروب مهدئ للممرات التنفسية، ويُستخدم تقليديًّا في حالات الجفاف المصاحب لنزلات البرد.
رابعًا: تحذيرات مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار
ورغم الفوائد الملحوظة، فإن الكمّثري ليست مناسبة للجميع دون ضوابط: أولًا، يُوصى بعدم تجاوز حبة واحدة متوسطة الحجم يوميًّا، إذ قد يؤدي الإفراط في تناولها — خاصةً على معدة فارغة — إلى اضطرابات هضمية مثل الانتفاخ أو الإسهال، ويزيد من أعراض البرودة المعدية عند المصابين بالبرد المزمن في المعدة أو الطحال. ثانيًا، يُفضل تناولها بعد الوجبة الرئيسية بساعة على الأقل، وتجنّبها تمامًا قبل النوم بثلاث ساعات، لأن محتواها المائي العالي قد يحفّز إنتاج البول ليلاً أو يسبب ارتجاعًا معديًّا خفيفًا يؤثر في جودة النوم. ثالثًا، يجب على مرضى الكلى المزمنة، وخاصةً في المراحل المتقدمة، استشارة أخصائي التغذية أو طبيب الكلى قبل إدخال الكمّثري في النظام الغذائي، نظرًا لمحتواها من البوتاسيوم، وكذلك على المرضى الذين يتناولون أدوية مميعة للدم أو مثبّطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين (ACE inhibitors)، لأن التداخل الغذائي قد يؤثر في فاعلية العلاج أو يرفع خطر ارتفاع البوتاسيوم في الدم.
وفي الختام، تبقى الكمّثري أداة تغذوية مفيدة ضمن منظومة صحية شاملة، لكنها لا تغني بأي حال عن التوازن الغذائي، وممارسة النشاط البدني المنتظم، وتجنب التدخين والتلوث الهوائي، وهي العوامل الأساسية التي تشكل حجر الزاوية في الوقاية من الأمراض التنفسية المزمنة وصيانة وظائف الرئة على المدى الطويل.