انتشرت في الآونة الأخيرة مخاوف بين بعض المُستهلكين من أن تناول براعم الفول قد يُسهم في تكوّن حصوات الكلى، لدرجة أن البعض تجنّبها تمامًا حتى في أطباق مثل الشوي أو السوشي. لكن هل تستند هذه المخاوف إلى أدلة علمية رصينة؟ وهل حقًّا تُعد براعم الفول عدوًّا للكلية؟ أم أن التركيز يجب أن ينصب على خضروات أخرى أكثر تأثيرًا في تشكيل الحصوات؟ نستعرض في هذا التقرير الحقائق الطبية الدقيقة بناءً على أحدث الدراسات والمبادئ التغذوية المُوصى بها من جمعيات المسالك البولية.
أولًا: هل تُحفِّز براعم الفول تكوّن حصوات الكلى فعلاً؟
لا توجد أدلة قاطعة تربط استهلاك براعم الفول بشكل مباشر بزيادة خطر الإصابة بالحصوات الكلوية. فبراعم فول الصويا تحتوي على كمية متوسطة من حمض الأوكساليك مقارنةً بالخضروات الأخرى، وهي أقل بكثير من مستويات هذا الحمض في السبانخ أو اللسانا. أما براعم الفاصولياء الخضراء فهي أدنى تركيزًا، ولا تُشكِّل خطرًا ملحوظًا عند تناولها باعتدال. والأهم أن طريقة الطهي تلعب دورًا محوريًّا: إذ أظهرت الدراسات أن الغليان السريع (السلق) لمدة دقيقة واحدة في ماء مغلي يُزيل ما يزيد على ٨٠٪ من حمض الأوكساليك الموجود في البراعم. ولذلك فإن إدخال خطوة السلق قبل التتبيل أو القلي السريع يُعد إجراءً وقائيًّا فعّالًا جدًّا.
ولا ينبغي التضحية بالقيمة الغذائية لهذه البراعم بسبب مخاوف غير مبنية على أساس علمي؛ فهي غنية بالبروتين النباتي عالي الجودة، وفيتامين ج، بالإضافة إلى الحمض الأميني «الأسباراجين» الذي يدعم عمليات الأيض الخلوي ويساعد في إزالة السموم من الجسم. وبشرط اتباع طرق التحضير السليمة والاعتدال في الكميات، تبقى براعم الفول خيارًا غذائيًّا آمنًا ومفيدًا.
ثانيًا: الخضروات الستة التي تتطلب حذرًا خاصًّا لدى مرضى الحصوات الكلوية أو ذوي الاستعداد الوراثي لها
١. السبانخ: تُعد من أعلى الخضروات احتواءً على حمض الأوكساليك، خاصة في موسم الربيع، حيث قد تصل نسبته إلى عشرات الأضعاف مقارنةً ببراعم الفول. وحتى بعد السلق، يبقى جزءٌ لا يستهان به من هذا الحمض، لذا يُنصح مَن لديهم تاريخ عائلي أو شخصي للحصوات بتقليل تكرار تناولها أو دمجها مع مصادر الكالسيوم أثناء الوجبة لتثبيط امتصاص الأوكسالات في الأمعاء.
٢. الخيزران الطازج (الرُّبّان): يحتوي على بلورات أوكسالات الكالسيوم غير القابلة للذوبان، والتي يصعب امتصاصها في الجهاز الهضمي، لكنها تميل إلى الترسب في البول وتُشكِّل نوى أولية للحصوات. ويُوصى بعدم تناوله أكثر من مرتين أسبوعيًّا، خاصة في صورته الطازجة غير المعالَجة.
٣. الملفوف البري (اللحلاح): يحتوي على تركيزات عالية جدًّا من حمض الأوكساليك — تصل إلى ٣–٥ أضعاف متوسط الخضروات الشائعة. وطريقة التحضير التقليدية (التتبيل البارد دون سلق) ترفع من خطر امتصاص الأوكسالات، لذا يُفضَّل طهيه أولًا، مثل تغليفه بالدقيق ثم طهيه على البخار قبل التتبيل.
٤. القُرْع (الكوسا) أو الكرنب الصيني (الكونج ساي): تزداد نسبة حمض الأوكساليك فيه مع سرعة النمو، خاصة في الأجواء الحارة والرطبة. وتتركز هذه المادة في الأجزاء الخشنة من السيقان، لذا يُنصح بإزالة الأغصان السميكة جدًّا عند تنظيف الخضار.
٥. البقدونس المجفف: بينما يُعتبر البقدونس الطازج آمنًا عند الاستخدام المعتدل، فإن عملية التجفيف تؤدي إلى تركيز حمض الأوكساليك بنسبة كبيرة. ولذلك يُنصح بتجنب المضافات العشبية الجافة المُباعة في الأسواق، والاعتماد على النبات الطازج المزروع منزليًّا إن أمكن.
٦. الكوسا المرّة (الحُمّص): رغم أنها ليست من الخضروات عالية الأوكسالات، إلا أن مركبات «الكويرسيتين» و«الكربوتين» الموجودة فيها تُثقل كاهل الكلى في حال وجود ضعف وظيفي سابق، وقد تعيق إفراز السموم. لذا يُوصى بتجنب تناولها بكميات كبيرة لدى مرضى الفشل الكلوي المبكر أو ذوي وظائف الكلى المتناقصة.
ثالثًا: مبادئ التغذية الوقائية لصحة الكلى
• دمج الكالسيوم مع الأطعمة الغنية بالأوكسالات: فالكالسيوم الغذائي (ليس المكملات) يرتبط بالأوكسالات في الأمعاء ويشكل رواسب غير قابلة للامتصاص، مما يقلل من كمية الأوكسالات التي تصل إلى الكلى. ومن الأمثلة العملية: تناول السبانخ مع صلصة السمسم، أو شرب حليب الصويا مع قطعة توفو غنية بالكالسيوم.
• الحفاظ على ترطيب كافٍ: فالهدف هو إنتاج ما لا يقل عن ٢ لتر من البول يوميًّا، مع الحرص على أن يكون لون البول فاتحًا (كالليمون المخفف)، ما يدل على تخفيف كافٍ للبلورات في المسالك البولية. ويُفضل تقسيم شرب الماء على مدار اليوم بدلًا من تناول كميات كبيرة دفعة واحدة.
• الفحوصات الدورية: يُوصى بإجراء فحص بالموجات فوق الصوتية للجهاز البولي سنويًّا، وفحص البول الروتيني كل ٦ أشهر لدى أصحاب الاستعداد العالي للحصوات. وظهور البلورات في تحليل البول (مثل بلورات أوكسالات الكالسيوم أو اليورات) يُعد مؤشرًا مبكرًا يتطلب تعديل النظام الغذائي فورًا.
في الختام، الخضار ليست «مذنبة» أو «بريئة» بمعزل عن طريقة اختيارها وتحضيرها وإدراجها ضمن نظام غذائي متوازن. والخوف غير المبرر من أطعمة معينة قد يؤدي إلى نقص غذائي غير مقصود، بينما المعرفة العلمية الدقيقة تمنحنا القدرة على التمتع بفوائد التغذية دون المساس بصحة الكلى. أما من ظهرت لديه أعراض مثل الألم الحاد في الجانب أو الدم في البول أو صعوبة التبول، فيجب عليه استشارة طبيب أمراض الكلى فورًا لوضع خطة علاجية وتغذوية فردية مبنية على تحليل الحصوة ووظائف الكلى.