عند ذكر الأحشاء الحيوانية، يتجه كثير من الناس فورًا إلى تجنبها، مُصوِّرين في أذهانهم «قنبلة كوليسترول» أو «انسدادًا شريانيًّا»، ويعتبرونها خطرًا على صحة القلب والدماغ. ولطالما حملت هذه الأطعمة سمعة سيئة في الأوساط الغذائية، خاصةً لدى كبار السن الذين يحرصون على سلامة جهازهم الدوري والدماغي. لكن التطورات الحديثة في علوم التغذية تُعيد تقييم هذه المفاهيم، وتُظهر أن الإقصاء الكامل للأحشاء قد يحرم الجسم من مصادر غذائية غنية جدًّا بالعناصر الضرورية. فالحقيقة أن بعض الأحشاء ليست «عدوًّا صحيًّا»، بل هي مخازن طبيعية للفيتامينات والمعادن التي يمتصها الجسم بكفاءة عالية — شرط أن نختارها بوعيٍ ونُعدَّها بحكمة.
أولًا: تصحيح المفاهيم الخاطئة حول الكوليسترول
الكوليسترول ليس «سمًّا» بحد ذاته؛ فهو مكوِّن أساسي في أغشية الخلايا، ويشارك في تصنيع فيتامين د وبعض الهرمونات مثل الكورتيزول والتستوستيرون. والمشكلة لا تكمن في وجود الكوليسترول نفسه، بل في اضطرابات استقلابه أو في الإفراط في تناول الدهون المشبعة والمتحولة — وليس بالضرورة في تناول الأحشاء.
وقد أثبتت الدراسات التغذوية الحديثة أن تأثير الكوليسترول الموجود في الطعام على مستوياته في الدم محدودٌ لدى معظم الأشخاص الأصحاء، مقارنةً بالتأثير الكبير للدهون غير الصحية الموجودة في الأطعمة المقلية، واللحوم الدهنية، والوجبات الجاهزة. أي أن التركيز على تجنُّب الكبد أو القلب لا يُجدي نفعًا إذا لم يترافق مع تقليل استهلاك الزيوت المهدرجة والدهون المشبعة.
ولا بد من التذكير بأن «الأحشاء» ليست كتلة واحدة متجانسة؛ فبين الكبد والدماغ والكلى والقلب والقُصبة (الجراب) فروقٌ كبيرة جدًّا في المحتوى الدهني ومعدل الكوليسترول. فمثلًا، يحتوي دماغ الخنزير على كوليسترول مرتفع جدًّا، بينما يحتوي كبد الدجاج أو قلب العجل على كوليسترول معتدل، بل وغنيٌّ بالعناصر المفيدة — فلا يجوز الحكم على الكل بناءً على جزء واحد.
ثانيًا: الأحشاء «الغذائية الذكية» التي يستحق التعرف عليها
الكبد: يعتبر من أغنى المصادر الطبيعية بفيتامين أ، وهو ضروري للحفاظ على حدة البصر وسلامة الغشاء المخاطي والجلد. كما يحتوي على كميات وافرة من حمض الفوليك (فيتامين ب9)، الذي يلعب دورًا محوريًّا في تكوين كريات الدم الحمراء ومنع فقر الدم الناجم عن نقص الحديد أو الفولات. ولا يُنصح باستهلاكه يوميًّا، لكن تناوله مرة أو مرتين أسبوعيًّا بكميات معتدلة (حوالي 80–100 غرام) يُعدُّ إضافة غذائية قيمة.
القلب: يتميَّز بمحتواه المنخفض جدًّا من الدهون، وارتفاعه في البروتين عالي الجودة، إذ يتكون أساسًا من عضلة قلبية خالية تقريبًا من الشحم. وهو مصدر ممتاز لإنزيم «كوإنزيم كيو ١٠» (CoQ10)، الذي يدعم وظيفة عضلة القلب ويساعد في إنتاج الطاقة داخل الخلايا. لذلك، يُوصى به لمن يبحث عن بروتين نقي دون إضافات دهنية غير مرغوب فيها.
القُصبة (الجراب): مثل كبد الدجاج أو كبد البط أو جراب الدجاج (الجين)، وهي في الواقع عضلات مضغة مطوَّرة، لا تحتوي على دهون تقريبًا، وغنية بالزنك والحديد، وهما عنصران بالغ الأهمية لتعزيز المناعة وتكوين الهيموجلوبين. وبفضل تركيبها العضلي المحض، فإن هضمها سهل جدًّا، ما يجعلها خيارًا مثاليًّا لكبار السن أو المصابين بفقر الدم الناجم عن نقص الحديد.
ثالثًا: مبادئ الاستهلاك الآمن والذكي للأحشاء
أول هذه المبادئ هو الاعتدال في التكرار والكمية: لا يُنصح بجعل الأحشاء جزءًا يوميًّا من النظام الغذائي، بل يُكتفى بها مرة أو مرتين أسبوعيًّا، وبكمية لا تتجاوز 100 غرام لكل وجبة. هذا يضمن الاستفادة من العناصر الغذائية دون إثقال الكبد أو الكلى أو الجهاز الدهني.
وثانيها هو اختيار طريقة الطهي المناسبة: فالطهي بالقلي العميق أو التحمير المفرط بالزيوت أو إضافتها إلى أطباق دهنية يحوِّلها إلى مصدر ضغط على الجسم. والأفضل هو السلق البسيط، أو التسوية على البخار، أو التحمير السريع بكمية ضئيلة من زيت الزيتون، أو تحضيرها في حساء خفيف. ويُنصح بتقليل الملح والتوابل الثقيلة للحفاظ على فوائدها دون زيادة العبء على الكلى أو الضغط الدموي.
وأخيرًا، الانتباه لحالة الشخص الصحية: فعلى الرغم من الفوائد العامة، فإن المرضى المصابين بالنقرس النشط أو ارتفاع حمض اليوريك الشديد أو اضطرابات الدهون الوراثية (مثل فرط كوليسترول الدم العائلي) يجب أن يتجنبوا أو يقلِّلوا من تناول الأحشاء، نظرًا لمحتواها المرتفع من البيورينات أو الكوليسترول. وفي هذه الحالات، يُستحسن استشارة أخصائي تغذية أو طبيب أمراض باطنية قبل إدخالها في النظام الغذائي.
الحكمة الغذائية لا تكمن في الحظر المطلق، بل في الفهم الدقيق واختيار ما يتناسب مع طبيعة الجسم واحتياجاته. فعندما ننظر إلى الأحشاء بعين العلم لا بالوهم، نكتشف أنها ليست عائقًا أمام الصحة، بل موردٌ غذائيٌّ استراتيجيٌّ يمكن توظيفه بذكاء. سواء كان الهدف تعزيز إنتاج كريات الدم الحمراء عبر الكبد، أو دعم وظيفة القلب عبر القلب الحيواني، أو تحسين امتصاص الحديد عبر الجراب — فإن المفتاح يبقى في التوازن، والاعتدال، والاستشارة المتخصصة عند الحاجة.