هل رائحة الإبط بالضرورة تعني وجود رائحة الجسم الكريهة (الرَّيحان)؟
يُطرح سؤالٌ شائعٌ في العيادات الجلدية والطبية: هل وجود رائحة في الإبطين يُعدّ بالضرورة دليلاً على مرض «الرائحة الكريهة» أو ما يُعرف طبياً باسم «الرَّيحَةِ العَرَقِيَّةِ المُفرطة» (Bromhidrosis)؟ والإج
يُطرح سؤالٌ شائعٌ في العيادات الجلدية والطبية: هل وجود رائحة في الإبطين يُعدّ بالضرورة دليلاً على مرض «الرائحة الكريهة» أو ما يُعرف طبياً باسم «الرَّيحَةِ العَرَقِيَّةِ المُفرطة» (Bromhidrosis)؟ والإجابة هي لا، فليس كل رائحة إبطٍ ناتجة عن حالة مرضية.
الإبطان يحتويان على نوعين رئيسيين من الغدد العرقية: الغدد العرقية المفرزة للعَرَق المائي (Eccrine glands)، التي تنشط عند ارتفاع درجة الحرارة أو أثناء التمارين الرياضية وتُفرز عرقاً عديم الرائحة في الأصل؛ والغدد العرقية المفرزة للعَرَق الدهني (Apocrine glands)، التي تبدأ نشاطها بعد البلوغ وتُفرز مادة لزجة غنية بالبروتينات والدهون. وهذه المادة لا تُنتج رائحة مباشرةً، بل تتحلل بفعل البكتيريا الموجودة طبيعيًّا على سطح الجلد — خصوصاً أنواع مثل Corynebacterium وStaphylococcus — لتُولّد روائح كريهة مميزة.
وبالتالي، فإن ظهور رائحة خفيفة إلى متوسطة في الإبطين بعد النشاط البدني أو في الأجواء الحارة يُعتبر ظاهرة فسيولوجية طبيعية، ولا يستدعي القلق أو التدخل الطبي. أما «الرَّيحَةُ العَرَقِيَّةُ المُفرطة» فهي حالة سريرية تتميز برائحة قوية ومُزعجة، تظهر حتى في حالات الراحة، وقد تترافق مع تعرُّق مفرط (Hyperhidrosis)، أو تغيُّرات في نوع وكمية البكتيريا الجلدية، أو عوامل وراثية، أو أمراض مُرتبطة مثل السكري غير المنضبط أو الفشل الكلوي.
ويجب التمييز بين هذه الحالة وبين «داء الإفراز العرقي الدهني المُفرط» (Apocrine Bromhidrosis)، الذي يُصنَّف ضمن أشكال الرائحة العرقية المزمنة، ويحتاج إلى تشخيص دقيق يشمل تقييمًا سريريًّا شاملًا، واستبعاد الأمراض الجهازية المُسبَّبة، وأحياناً تحليلًا ميكروبيولوجيًّا للعينات الجلدية. أما العلاج فيتراوح بين الإجراءات الوقائية اليومية (مثل استخدام مضادات التعرُّق، والنظافة الشخصية الدقيقة، وارتداء الملابس القطنية)، وخيارات طبية متقدمة مثل حقن البوتكس في المنطقة، أو العلاج بالليزر، أو حتى الاستئصال الجراحي للغدد العرقية في الحالات الشديدة والمُقاومة للعلاج.
لذا، فإن وجود رائحة في الإبطين ليس بالضرورة مؤشراً على مرض، لكن استمرارها رغم الالتزام بالنظافة، أو تفاقمها دون سبب واضح، أو تأثيرها السلبي على الجودة النفسية والاجتماعية للفرد، يستدعي مراجعة طبيب جلدية متخصص لتشخيص دقيق ووضع خطة علاجية مناسبة.