في السنوات الأخيرة، باتت أخبار تشخيص الإصابة بالسرطان تنتشر بشكل ملحوظ في الدوائر الاجتماعية، ما يثير تساؤلات جادة حول أسباب هذا الارتفاع الظاهري رغم التقدم الملحوظ في مجال التشخيص والعلاج الطبي. ورغم أن العوامل الوراثية والبيئية تلعب دوراً محورياً في نشوء الأورام، فإن بعض الممارسات الغذائية اليومية قد تُسهم – دون وعي – في زيادة خطر الإصابة، خاصةً تلك المرتبطة بخيارات الخضروات والمأكولات الشائعة على المائدة.
ويشير خبراء التغذية والأورام إلى أن ثلاثة أنواع من الخضروات أو المنتجات النباتية تشكل مصدراً محتملاً للتعرض لمُسرطنات طبيعية أو كيميائية، إذا لم تُراعَ شروط التحضير والتخزين بدقة: أولها المخللات المنزلية التي لا تُترك لفترة التخمير الكافية؛ فخلال الأيام الأولى من التمليح، تزداد مستويات النترات وتنخفض تدريجياً، لكنها تتحول مؤقتاً إلى نيتريت (نترات الصوديوم)، والذي قد يتفاعل في الجسم مع الأمينات ليكوّن مركبات «النيتروزامين» المسرطنة المعروفة علمياً. ولذلك، يُوصى بعدم تناول المخللات قبل اكتمال فترة التخمير الآمنة، والتي تتراوح عادة بين 20–30 يوماً حسب درجة الحرارة ونوع الخضار.
وثاني هذه المخاطر يتمثل في الفول السوداني والمكسرات المصابة بالعفن، خصوصاً عند ظهور بقع خضراء أو صفراء عليها. فهذه العفونة غالباً ما تكون ناجمة عن فطر «الأفلاتوكسين» الذي ينتج سموماً قوية مثل «الأفلاتوكسين B1»، وهي من أشد المواد المسرطنة المعروفة للكبد البشري، ولا تتحلل بالطهي العادي أو الغليان. ولذلك، يُنصح برفض أي كمية من الفول السوداني أو زيت الفول السوداني ذي الرائحة العفنة أو الطعم المر، حتى لو بدا التلف سطحياً فقط.
أما الثالث فيتعلق بالخضروات ذات الطعم المر غير المعتاد، خصوصاً تلك المنتمية لفصيلة القرعيات مثل الكوسا واليقطين والقرع العسلي. فالمرارة الشديدة هنا ليست طبيعية، بل تدل على تراكم مركبات «الكوريكين» السامة، والتي تسبب التهاباً حاداً في الجهاز الهضمي، وقد تؤدي في الحالات الشديدة إلى قرح معدية أو إسهال دموي. ويجب التوقف فوراً عن تناول أي ثمرة أو خضار يظهر عليها هذا الطعم، وعدم التهاون «لتوفيرها» أو «لعدم إهدارها».
وبجانب هذه المخاطر المحددة، تبرز عادات غذائية يومية أخرى ترفع من احتمالات التلف الخلوي التدريجي: فمنها الاعتماد المفرط على الخضروات الورقية المُعالَجة كيميائياً للحفاظ على مظهرها الأخضر اللامع، حيث قد تحتوي على بقايا مبيدات غير مصرح بها أو مواد حافظة تؤثر سلباً على الغدد الصماء مع التراكم الزمني. كما أن الإفراط في الأطعمة المالحة أو الحارة يُضعف الحاجز المخاطي للمعدة والأمعاء، ما يجعل الخلايا المبطنة عرضة لإعادة الترميم المتكرر – وهي حالة تزيد من احتمال حدوث طفرات جينية غير منضبطة.
أما فيما يخص الوقاية الذاتية، فينصح أطباء التغذية باتباع ثلاث خطوات عملية: أولها الفحص البصري والشمّي للخضروات عند الشراء؛ فاللون الزاهي المبالغ فيه أو الرائحة الخافتة أو الغائبة تماماً، أو وجود شقوق أو كدمات على القشرة، كلها مؤشرات على استخدام مواد كيميائية أو تلوث ميكروبي. وثانيها التفضيل الواضح للخضروات المحلية الموسمية، لأنها أقل اعتماداً على المحفزات الهرمونية والمبيدات المضادة للبرد أو للإنبات المبكر. وثالثها تطبيق تقنيات تنظيف فعالة في المنزل: كالنقع في محلول ملح مخفف لمدة 15 دقيقة، ثم الشطف بالماء الجاري، مع إزالة الأوراق الخارجية للخضروات الورقية، أو التبخير السريع للخضروات عالية الخطورة مثل البقدونس والكزبرة قبل الطهو – وهي خطوة تقلل من بقايا المبيدات بنسبة تصل إلى 70% وفق دراسات معهد التغذية المصري.
ولا بد من التأكيد أن السرطان مرض متعدد العوامل، ولا يمكن ربطه بنوع واحد من الأطعمة أو عادة واحدة. لكن العلم يؤكد أن 30–40% من حالات السرطان قابلة للوقاية عبر تعديلات غذائية وسلوكية مدروسة. لذا، فإن التغيير لا يبدأ من «الخوف من الطعام»، بل من اكتساب وعيٍ عمليٍّ يحوّل سلة التسوق اليومية إلى أداة وقائية فعّالة – لأن الصحة تُبنى، يومياً، على ما نختاره من ألوان وأشكال ونكهات على مائدتنا.