في منشورٍ انتشر مؤخرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، أثارت قصة شابٌ في العشرينيات من عمره ذُعرَ الملايين: «خالُه البالغ من العمر ٢١ عامًا أصيب بسرطان البنكرياس في مرحلته المتقدمة بعد ستة أشهر من السهر المتواصل والعمل لساعات مطولة دون راحة». هذه الحادثة ليست استثناءً، بل إنها تذكيرٌ قاسٍ بأن سرطان البنكرياس — الذي يُلقَّب بـ«ملك الأورام» — لا يميِّز بين صغيرٍ وكبير، ويتفشى بصمتٍ مُريعٍ في أجسام ضحاياه قبل أن يدركوا خطورته.
ويحتل هذا السرطان مكانةً مُخيفةً في الإحصائيات العالمية؛ فهو يُصنَّف ضمن أكثر ثلاثة أنواع أورام فتكًا من حيث معدلات الإصابة والوفاة، ويعود ذلك جزئيًّا إلى طبيعته الخفية التي تجعل الكشف المبكر عنه تحديًّا بالغ الصعوبة. فالبنكرياس عضوٌ عميقٌ يقع خلف المعدة وقريبٌ من العمود الفقري، ما يجعله غير ظاهرٍ في الفحوصات الروتينية مثل التصوير بالموجات فوق الصوتية البسيطة. وحتى عند استخدام التصوير المقطعي المُعزَّز، قد تفوّت الأورام الصغيرة أقل من سنتيمترين، خاصةً في المراحل الأولى، حيث لا تظهر أي أعراض واضحة تقريبًا.
ومما يفاقم خطورة المرض سرعة تطوُّره الاستثنائية؛ إذ قد ينتقل من المرحلة المبكرة إلى المرحلة المنتشرة خلال بضعة أشهر فقط. وبمجرد ظهور الأعراض، يكون الورم غالبًا قد تجاوز مرحلة الجراحة العلاجية الممكنة. كما أن سرطان البنكرياس يُظهر مقاومةً عاليةً للعلاجات التقليدية كالعلاج الكيميائي والإشعاعي، ما يفسِّر انخفاض معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات إلى أقل من ١٠٪ حتى في الحالات التي تُجرى فيها جراحة ناجحة، مع ارتفاعٍ ملحوظٍ في نسب الانتكاس بعد العملية.
ولأن التشخيص المبكر هو المفتاح الوحيد لإنقاذ الحياة، فإن التعرف على العلامات التحذيرية المبكِّرة — والتي يخطئ الكثيرون في اعتبارها أعراضًا هضمية عادية — أمرٌ بالغ الأهمية. ومن أبرز هذه العلامات: آلام مستمرة في الجزء العلوي من البطن، تزداد عند الوقوف وتخف عند الانحناء أو الضغط على الركبتين، ولا تستجيب للعلاجات المضادة للحموضة مثل أوميبرازول. كما أن فقدان الوزن المفاجئ دون سبب واضح — مثل نقصان أكثر من ٥ كيلوجرامات خلال ثلاثة أشهر — يُعد إشارةً حمراء، إذ يدل على استهلاك الخلايا السرطانية لكميات هائلة من الطاقة والمواد الغذائية. ومن العلامات المميزة أيضًا ظهور اليرقان المفاجئ، المتمثِّل في اصفرار بياض العينين والجلد، مع غمق لون البول ليشبه لون الشاي القديم، نتيجة انسداد القناة الصفراوية بالورم. أما اضطرابات التحكم في سكر الدم — سواء ظهور داء السكري لأول مرة في سن متأخرة، أو تدهور مفاجئ في حالة مريض سكري معروف — فهي تنذر بتضرُّر خلايا البنكرياس المنتجة للإنسولين. وأخيرًا، الشعور بالغثيان أو الإسهال بعد تناول الأطعمة الدسمة، أو النفور المفاجئ من الدهون، يعكس انسداد القناة البنكرياسية، مما يمنع إفراز الإنزيمات الهاضمة للدهون.
وبالنسبة للفئات الأكثر عرضةً لهذا المرض، فيجب أن تكون اليقظة التشخيصية أعلى مستوىً لديها. وتشمل هذه الفئات المدخنين بكثافة، إذ تشير الدراسات إلى أن التدخين اليومي لعلبة سجائر واحدة على مدى عشر سنوات يرفع خطر الإصابة بأكثر من ثلاث مرات. كما أن المصابين بالتهاب البنكرياس المزمن يواجهون خطرًا متزايدًا بسبب التندُّب المتكرر والانقسامات الخلوية غير المنضبطة في أنسجة الغدة. أما من لديهم تاريخ عائلي مباشر لإصابة أحد الأقارب من الدرجة الأولى (مثل الأب أو الأم أو الأخ) بسرطان البنكرياس، فيكون خطر إصابتهم أعلى بعشر مرات أو أكثر، خاصةً في حال وجود طفرات جينية وراثية معروفة مثل BRCA2 أو PALB2. ولا يُستهان أيضًا بدور السمنة، إذ تُحرِّض الأنسجة الدهنية على إفراز عوامل التهابية تُحفِّز التحوُّلات الخلوية السرطانية، ويزداد الخطر بشكل ملحوظ لدى من تجاوز محيط خصرهم ٩٠ سم.
أما في ما يتعلق بالوقاية، فيكفي الالتزام بثلاثة مبادئ أساسية: أولها «الأكل باعتدال»، أي تجنُّب اللحوم المصنعة والمدخنة والمشويات المحروقة، لأنها تحتوي على نترات ونترات تتحول في الجسم إلى مركبات مسرطنة مؤكدة. وفي المقابل، يُوصى بزيادة استهلاك الخضروات الصليبية مثل البروكلي والقرنبيط، لما لها من تأثير في تنشيط إنزيمات إزالة السموم في الكبد. ثانيها «الحركة المنتظمة»، إذ أظهرت الأبحاث أن المشي السريع لمدة نصف ساعة يوميًّا يقلل من خطر الإصابة بنسبة ملحوظة، ويرتبط انخفاض النسبة بين محيط الخصر ومحيط الورك (النسبة الوسطية) بمقدار ٠٫١ مع انخفاض ملموس في احتمالات التسرطن، جزئيًّا بسبب تأثير الهرمونات المُفرزة أثناء النشاط البدني في كبح نمو الخلايا غير الطبيعية. وثالثها «الفحص الدوري»: فيُوصى بإجراء فحوصات دورية لعلامات الأورام مثل CA 19-9 بدءًا من سن ٤٥ سنة، بينما يجب أن يبدأ الفحص المبكر عند سن ٣٥ لمن لديهم عوامل خطر وراثية، مع التفضيل الواضح للتصوير بالرنين المغناطيسي أو التصوير بالموجات فوق الصوتية عبر القناة الهضمية (EUS)، لما يتمتعان به من دقة أعلى في الكشف عن الآفات الصغيرة مقارنةً بالموجات فوق الصوتية التقليدية.
وفي الختام، فإن ظهور أي من العلامات الخمس المذكورة — الألم البطني المستمر، فقدان الوزن غير المبرَّر، اليرقان، اضطراب سكر الدم، أو النفور من الدهون — ليس سببًا للبحث العشوائي عبر الإنترنت أو اللجوء إلى المكملات الغذائية دون استشارة طبية. بل هو إشارةٌ طارئةٌ تتطلب زيارة فورية لطبيب الجهاز الهضمي أو الجراحة العامة المتخصصة في أمراض الكبد والمرارة والبنكرياس، وطلب إجراء تصوير مقطعي مُعزَّز أو رنين مغناطيسي فوري. فالكشف المبكر عن سرطان البنكرياس بمدة تصل إلى ثلاثة أشهر قد يُحدث فرقًا جذريًّا في مسار المرض، وقد يُترجم إلى عقود إضافية من الحياة الصحية.