يُخطئ كثيرٌ من الناس حين يظنون أن مرض السكري يظهر فجأةً دون سابق إنذار، بينما الحقيقة أن الجسم يُرسل إشارات تحذيرية واضحةً على مراحل متدرجة — لكنها تُهمَل غالبًا بسبب قلة الوعي أو التهوين من خطورتها. هذه الإشارات ليست عابرةً، بل هي فرصٌ حقيقيةٌ للتدخل المبكر والوقاية من التطور الكامل للمرض.
الفرصة الأولى: اضطراب تحمل الجلوكوز
تظهر هذه المرحلة في التحاليل الروتينية كـ«اضطراب في تحمل الجلوكوز»، وهي حالةٌ تسبق تشخيص السكري مباشرةً، حيث تكون مستويات السكر في الدم أعلى من الطبيعي بعد تحمّل الجلوكوز (مثل اختبار تحمل الجلوكوز الفموي)، لكنها لا تصل بعد إلى العتبة التشخيصية لمرض السكري. وتشبه هذه الحالة تسربًا بطيئًا في صنبور مفتوح جزئيًّا: لا يزال التحكم ممكنًا، لكن التسرب مستمرٌ ويتفاقم مع الوقت إذا لم يُعالَج.
وهذه المرحلة تُعدُّ «النافذة الذهبية» الأفضل للانعكاس العلاجي، إذ يمكن استعادة الوظيفة الطبيعية لاستقلاب الجلوكوز تمامًا عبر تعديل نمط الحياة: تقليل تناول الكربوهيدرات المكررة، زيادة النشاط البدني المنتظم، وتحقيق وزنٍ صحي. ومع ذلك، يتجاهل العديد من المصابين هذه الإشارة، ويواصلون عادات مثل السهر المزمن وتناول وجبات خفيفة ليلية غنية بالسكريات، ما يُسرّع التدهور نحو المرض.
الفرصة الثانية: ارتفاع سكر الصيام
في هذه المرحلة، ترتفع قيمة سكر الدم أثناء الصيام (أي بعد ٨ ساعات من آخر وجبة) إلى ما بين ١٠٠–١٢٥ ملغ/دل، مع بقاء القيمة بعد تناول الطعام ضمن الحدود الطبيعية أو شبه الطبيعية. ويعكس هذا التغير بداية تراجع وظيفة خلايا بيتا في البنكرياس، التي تفرز الإنسولين، كأن الجهاز قد بدأ يعمل تحت ضغط زائد، فيحافظ على الأداء بشكل هشٍّ وغير كافٍ على المدى الطويل.
وهي آخر فرصة فعّالة للتأخير الكبير في تطور المرض إلى السكري من النوع الثاني. فالالتزام الصارم بالحمية المنخفضة المؤشر الجلايسيمي، وممارسة الرياضة لمدة ١٥٠ دقيقة أسبوعيًّا على الأقل، قد يُبطئ التقدم إلى التشخيص النهائي لسنوات عديدة — بل وقد يمنعه لدى بعض الأفراد. لكن الكثيرين لا يزالون يتجاهلون هذه التحذيرات، ظنًّا منهم أن غياب الأعراض يعني غياب الخطر.
الفرصة الثالثة: السكري المبكر غير المعقد
في هذه المرحلة، يُشخص المريض رسميًّا بمرض السكري من النوع الثاني، غالبًا عبر تحليل سكر الدم الصائم أو الهيموجلوبين السكري (HbA1c)، رغم غياب الأعراض الواضحة مثل العطش الشديد أو التبول المتكرر أو فقدان الوزن. وهذا الغياب المضلِّل للأعراض لا يعني أن الضرر يتوقف؛ بل على العكس، فإن ارتفاع السكر المزمن يبدأ منذ هذه اللحظة في إحداث تغيّرات ضارة في جدران الأوعية الدموية والأعصاب الطرفية، بطريقة بطيئة وصامتة — كـ«غليان الضفدع في الماء»، حيث لا يدرك الجسم التهديد إلا بعد فوات الأوان.
وهذه المرحلة تُشكّل الخط الدفاعي الأخير قبل ظهور المضاعفات الخطيرة: اعتلال الشبكية الذي يؤدي إلى ضعف البصر، أو اعتلال الأعصاب المحيطية المسبب للخدر أو الألم في اليدين والقدمين، أو أمراض القلب والأوعية الدموية. والخبر المطمئن هو أن التدخل العلاجي المبكر — سواء عبر الأدوية المحسنة لإفراز الإنسولين أو حساسية الأنسجة له، أو عبر دمجها مع تغييرات جذرية في نمط الحياة — يُمكن أن يحافظ على وظائف الأعضاء ويمنع أو يؤخر حدوث هذه المضاعفات لعقود.
خلاصة الأمر أن مرض السكري ليس حدثًا طارئًا، بل هو نتيجة تراكمية لعوامل خطر قابلة للتعديل: السمنة المركزية، قلة الحركة، النظام الغذائي غير المتوازن، والتوتر المزمن. وكل مرحلة من المراحل الثلاث تمثّل فرصةً حقيقيةً للتدخل، وأقربها إلى الانعكاس الكامل هي مرحلة اضطراب تحمل الجلوكوز. فلا تنتظر حتى تظهر الأعراض أو تتفاقم المضاعفات؛ فالوقاية الفعّالة تبدأ اليوم، ببساطة عبر «ضبط ما تأكله» و«تحريك جسدك بانتظام» — لأن جسمك لا يطلب أكثر من ذلك ليظلّ في حالة توازن وصحة.