يُعَدّ سرطان المعدة من الأورام الخبيثة التي تُكتشَف في مراحل متأخرة في كثيرٍ من الحالات، لا لأن أعراضه غائبة تمامًا، بل لأنها غالبًا ما تُهمَل أو تُفسَّر خطأً على أنها اضطرابات هضمية بسيطة. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الجسم يُرسل إشارات تحذيرية مبكرة جدًّا — وبخاصة خلال الليل — قد تسبق التشخيص بأشهر أو حتى سنوات. وهذه الإشارات ليست عرضية، بل تعكس تغيرات مرضية تدريجية في الغشاء المخاطي للمعدة أو في وظائفها الحركية والغددية.
أول هذه الإشارات: حرقة المعدة الليلية المتكررة، والتي تظهر غالبًا عند الاستلقاء بعد العشاء. ففي وضع الاستلقاء، تنخفض مقاومة الصمام السفلي للمريء، مما يسمح لحمض المعدة بالارتجاع إلى المريء، فيسبب شعورًا بالحرقان خلف عظمة القص. ويختلف هذا عن الحرقة العابرة الناتجة عن وجبة دسمة، إذ يستمر لساعات، وقد يوقظ المريض من نومه، ويترافق مع صعوبة في النوم أو استيقاظ متكرر في منتصف الليل. وإذا استمرت هذه الأعراض أكثر من ثلاث مرات أسبوعيًّا لمدة تتجاوز أربعة أسابيع، فهي تُصنَّف طبيًّا كـ«ارتجاع مريئي مزمن»، وهو عامل خطر معروف لتبدُّل الغشاء المخاطي (متلازمة باريت)، والتي قد تتطور لاحقًا إلى سرطان المعدة.
الثانية: الانتفاخ البطني غير المبرَّر قبل النوم. فالمريض قد يشعر بالامتلاء والانزعاج رغم تناول وجبة خفيفة، أو يفقد الشهية فجأة تجاه أطعمة كان يحبها سابقًا — خاصة في الفترة المسائية. كما يلاحظ زيادة في انتشار الغازات داخل البطن، مع أصوات طنين أو حركة غازية ملحوظة أثناء الاستلقاء. وهذا الانتفاخ لا يستجيب للتعديلات الغذائية البسيطة مثل تقليل البقوليات أو المشروبات الغازية، بل يبقى مستمرًّا أو يتزايد تدريجيًّا، ما يوحي باضطراب في إفراغ المعدة (إبطاء التفريغ المعدي) أو بتضيُّق جزئي في منفذ المعدة (البواب)، وهي علامات مبكرة قد تشير إلى وجود ورم في المنطقة السفلية من المعدة.
والثالثة: الألم البطني العلوي الخفي المتكرر ليلاً. فعلى عكس آلام التهاب المعدة الحاد التي تكون مفاجئة وشديدة، فإن هذا الألم يتميَّز بطابعه الداخلي المستمر، كأنه ضغط أو ثقل أو ألم خفيف متنقل في المنطقة فوق السرة. ويتفاقم غالبًا في حالة الصيام الليلي، ويُخفف مؤقتًا بتناول كمية صغيرة من الطعام أو شرب الماء الدافئ — لكن دون تحسن دائم. وهذه الآلية التسكينية المؤقتة قد تخدع المريض، إذ إن تناول الطعام يقلل من إفراز الحمض ويُخفف التهيج السطحي، لكنه لا يعالج السبب الجذري، بل قد يُؤخر التشخيص، خاصة إذا كان الألم ناتجًا عن تقرُّح عميق أو نمو ورم يعيق وظيفة المعدة.
ولا يعني ظهور أي من هذه الأعراض بالضرورة وجود سرطان، لكن تكرارها لأكثر من أربعة أسابيع، أو تفاقمها تدريجيًّا، أو اقترانها بعلامات تحذيرية أخرى مثل فقدان الوزن غير المبرَّر، أو فقر الدم الناتج عن نزيف مزمن، أو قيء متكرر، يستدعي التقييم الطبي الفوري. ويشمل ذلك التنظير الهضمي العلوي مع أخذ عينات نسيجية (خزعة) لفحصها مجهريًّا، وهو الإجراء الذهبي للكشف المبكر عن التغيرات السابقة للسرطان أو الأورام في مراحلها الأولى. أما الوقاية، فتبدأ بتعديل نمط الحياة: تجنُّب الوجبات الليلية المتأخرة، وتقليل الكافيين والتوابل والكحول، ورفع رأس السرير 15 سم، وممارسة النشاط البدني المنتظم — كلها إجراءات مدعومة علميًّا للحفاظ على صحة الجهاز الهضمي ومنع تطور المضاعفات الخطيرة.