تذوّق قطعة كعكة غنية بالكريمة أو آيس كريم مُحلّى يُطلق في الدماغ موجةً من الدوبامين تُشعرنا بالفرح والارتياح، لكن هذه المتعة الحلوة قد تتحول أحيانًا إلى عذابٍ هضميٍّ غير متوقع. ففي الآونة الأخيرة، انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي شهادات لأشخاص يعانون من اضطرابات معوية مزمنة، يصفون فيها شعورهم بعد تناول الحلويات بأن «المعدة تشهد فيلماً سينمائياً عن الكوارث» — كأنها تُحاكي مشاهد فيلم «الكواكب الضائعة». فهل هذه الروايات مجرد مبالغاتٍ شعبية أم أن هناك أساساً علمياً حقيقياً وراءها؟
أولاً: العلاقة المعقدة بين السكريات وحموضة المعدة
يُحفِّز تناول السكريات، وبخاصة السكريات المكررة، إفراز حمض الهيدروكلوريك في المعدة بشكل مفرط، وكأنه «يُسرّع عجلة الإنتاج» في مصنع الحمض. فبينما يكون الإفراز الطبيعي منتظماً مثل جريان نهرٍ هادئ، فإن تناول كميات كبيرة من السكر — لا سيما على معدة فارغة — يحوّله إلى شلالٍ عنيفٍ يهاجم الغشاء المخاطي المبطن للمعدة مباشرةً، ما قد يؤدي إلى تهيجٍ حادٍ أو حتى التهابٍ في الطبقة السطحية.
كذلك، تؤدي الأطعمة عالية المحتوى السكري إلى تأخير إفراغ المعدة (Delayed Gastric Emptying)، أي أن الطعام يبقى أطول في التجويف البطني دون الانتقال إلى الأمعاء الدقيقة. وهذا التأخير يُعزِّز احتمال حدوث الانتفاخ، وارتجاع الحمض، بل وقد يُسبب خروج رائحة كريمية عند التجشؤ — وهي علامة سريرية تشير إلى بقاء بقايا الطعام غير المهضوم في المعدة لفترة طويلة.
ثانياً: التكاليف الخفية لحب الحلويات
يُعد تناول الشوكولاتة السائلة أو الكعك الغني بالدهون والسكر من العوامل المحفِّزة الرئيسية لارتجاع المريء. فالشوكولاتة تحتوي على مادة الثيوبرومين التي تُرخي العضلة العاصرة السفلية للمريء، بينما تزيد الدهون من ضغط المعدة، مما يسهّل صعود الحمض مع بقايا الطعام نحو المريء. ويظهر ذلك سريرياً على هيئة حرقة صدرية شديدة، وشعورٍ بالاحتراق خلف القص، وأحياناً سعال ليلي أو فقدان مؤقت للصوت — ما يُعرف شعبياً بـ«صرخة بُرجان» عند الاستيقاظ فجأة بسبب الانزعاج.
أما على مستوى الأمعاء، فإن السكريات المكررة تعمل كغذاء مفضَّل للبكتيريا الضارة مثل Escherichia coli وCandida albicans، بينما تُهمِّش البكتيريا النافعة مثل Lactobacillus وBifidobacterium. ومع استمرار هذا الخلل في الميكروبيوم المعوي (Dysbiosis)، تتفاقم أعراض مثل الانتفاخ، والإسهال المتكرر، أو حتى الإمساك المتناوب، ما يجعل المرحاض مكاناً «يحظى بزيارة يومية مضمونة».
ثالثاً: تحقيق التوازن بين المتعة والصحة الهضمية
لا يكمن الحل في التخلي الكامل عن الحلويات، بل في تبني استراتيجية ذكية قائمة على التوقيت والكمية والتركيب الغذائي. فتناول الحلوى بعد ساعةٍ من الوجبة الرئيسية يقلل من التحفيز المباشر لإفراز الحمض، ويمنح المعدة وقتاً كافياً لبدء عملية الهضم، كأننا نضع «وسادة وقائية» بين السكر وجدران المعدة.
أما من حيث الكمّ، فالقاعدة الذهبية هي: «الكمية تُحدَّد بالعين لا بالجوع». فتقسيم قطعة كعكة صغيرة (بحجم راحة اليد) إلى جزأين يتم تناولهما في مناسبتين منفصلتين، يخفف العبء عن الجهاز الهضمي، ويمنع تفعيل آلية الإنذار المبكر التي تُحفِّز الالتهاب أو الارتجاع.
أما التوليفة الذكية فهي مفتاح الأمان: فشرب كوب من الشاي الأسود الدافئ مع الماكرون يهدئ انقباضات العضلات الملساء في القناة الهضمية، بينما إضافات مثل المكسرات أو بذور الشيا إلى الزبادي المحلى تعزز محتوى الألياف الغذائية، والتي تعمل كـ«ماسك» طبيعي للسكر في الأمعاء، وتبطئ امتصاصه، وتغذي البكتيريا النافعة في الوقت نفسه.
في النهاية، ليست العلاقة بين الحلويات والمعدة علاقة صراعٍ لا بد من حسمه، بل هي رقصة تانغو دقيقة تتطلب تناغماً في الخطوات: التقدم بحذر، والانسحاب في الوقت المناسب. فلا داعي لحظر محلات الحلوى نهائياً، ولا لتحويل الجسم إلى «خزان سكري متنقل». المفتاح هو الاستماع إلى إشارات الجسم — فحين تصدر المعدة إنذاراتٍ واضحة، فهذا ليس وقتاً للإهمال، بل فرصةٌ لمنحها استراحةً حلوةً تستحقها.