في عالم النصائح الصحية التي تنتشر كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، برزت مؤخرًا مزاعمٌ جذّابة تدّعي أن «التخلّص من صلصة المحار وصلصة فول الصويا من المطبخ» كفيلٌ بخفض مستويات حمض اليوريك في الدم بشكلٍ دراماتيكي. وقد أثار هذا الادعاء قلقَ العديد من الأشخاص المهتمين بصحتهم، فسارعوا إلى التخلّص من هذه المُنكّهات المألوفة، ظانّين أن كل ملعقةٍ منها قد تكون سببًا في نوبات النقرس أو ارتفاع اليوريكيميا. لكن الواقع الطبي يختلف تمامًا عن هذه المفاهيم المبسّطة: فالاستقلاب الحيوي لحمض اليوريك عمليةٌ معقّدة تشمل توازنًا دقيقًا بين الإنتاج والإخراج، ولا يمكن اختزالها في حظر مكوّن غذائي واحد، مهما بدا مُبرّرًا ظاهريًّا.
تحليل علمي لمحتوى هاتين المُنكّهتين
إن صلصة المحار تُحضّر عادةً من استخلاص عصارة المحار المغلّظة، وهي بالفعل تحتوي على بيورينات — وهي مركبات طبيعية تتحوّل في الجسم إلى حمض اليوريك. أما صلصة فول الصويا (التي تُعرف محليًّا باسم «الصويا باست» أو «الصلصة الصوياوية المخمّرة»)، فهي تنتج عن تخمير فول الصويا، الذي يحتوي في حالته الجافة على بيورينات مرتفعة نسبيًّا. لكن المفتاح هنا لا يكمن في المحتوى النظري للمكونات الأولية، بل في الكمية الفعلية المستهلكة يوميًّا: ففي الطهي العادي، لا تتجاوز كمية أيٍّ من هاتين الصلصتين بضع غرامات لكل وجبة، ما يعني أن إجمالي البيورينات الداخلة إلى الجسم منهما أقلّ بكثير من تلك الموجودة في وجبة واحدة من الكبد البقري أو شوربة اللحم المركز، أو حتى سمك السلمون المدخّن.
إضافةً إلى ذلك، فإن عمليات التصنيع الحديثة — مثل الترشيح المتعدد والتخمير المطوّل — تؤدي إلى انخفاض ملحوظ في تركيز البيورينات في المنتج النهائي. ففي حالة صلصة المحار، تُزال معظم الرواسب الصلبة الغنية بالبيورينات أثناء الاستخلاص، بينما تُغيّر الكائنات الدقيقة خلال تخمير فول الصويا تركيبها الكيميائي، مما يقلّل من توافر البيورينات الحيوية. ومن الناحية التغذوية، فإن الحديث عن «خطورة» أي مادة دون الإشارة إلى الجرعة هو خطأ منهجي جوهري؛ فالكمية هي التي تصنع السمّ، والجرعات الضئيلة لهذه الصلصات لا تُحدث تأثيرًا سريريًّا ملحوظًا على مستويات حمض اليوريك لدى الأشخاص الأصحّاء أو حتى لدى مرضى النقرس المُتحكّم في حالتهم.
أسباب ارتفاع حمض اليوريك: التركيز على الآلية لا على التفاصيل السطحية
يتكوّن حمض اليوريك في الجسم من طريقين رئيسيين: الأول هو الاستقلاب الداخلي (الإنتروجيني)، حيث تتحلل أحماض النوكليك داخل خلايا الجسم بشكل طبيعي أثناء تجديد الأنسجة ودورات الحياة الخلوية. وهذه المسألة تمثّل نحو ٨٠٪ من إجمالي إنتاج حمض اليوريك في الجسم. وبمعنى آخر، حتى لو تجنّب الشخص جميع مصادر البيورينات الغذائية تمامًا، فإن اضطرابات في التمثيل الغذائي — مثل مقاومة الإنسولين أو أمراض الكبد أو الاضطرابات الوراثية في إنزيمات التحلل — قد تبقى سببًا رئيسيًّا لاستمرار ارتفاع اليوريكيميا.
أما العامل الثاني، والأكثر أهمية في كثير من الحالات، فهو اضطراب إخراج حمض اليوريك عبر الكلى. فالكلى هي الجهاز المسؤول الرئيسي عن تنقية الدم من حمض اليوريك وإفراغه في البول. وعندما تنخفض كفاءة الترشيح الكلوي، أو تزداد إعادة امتصاص حمض اليوريك في الأنابيب الكلوية — نتيجة للسمنة، أو مرض السكري، أو تعاطي بعض الأدوية مثل المدرّات الثيازيدية — فإن الحمض يتراكم في الدم بغض النظر عن النظام الغذائي. وبالتالي، فإن التركيز المفرط على «ملعقة صلصة» بينما تُهمَل العوامل الأساسية مثل وظائف الكلى، ومؤشر كتلة الجسم، ومستويات الإنسولين، هو توجّه غير منطقي من الناحية السريرية.
استراتيجية غذائية واقعية لإدارة حمض اليوريك
لا تكمن الحكمة في تجنب طعامٍ واحد، بل في إدارة إجمالي الحمل البيوريني اليومي. ولذلك، يوصي أخصائيو التغذية السريرية المصابين بارتفاع حمض اليوريك بالتركيز على تقليل الأطعمة عالية البيورينات بكميات كبيرة: مثل الكبد والكلى والمخ والأسماك الدهنية (مثل السردين والرنجة)، والشوربات اللحوم المركز، مع الحفاظ على تنوع غذائي غني بالخضروات غير النشوية والفواكه منخفضة السكر والماء النقي بكميات كافية (٢–٣ لتر يوميًّا) لدعم إخراج اليوريك عبر الكلى.
أما من الناحية السلوكية، فإن التعديلات الشاملة تُعدّ أكثر فاعلية من التقييد الغذائي المنفرد: فالنوم المنتظم يحافظ على توازن الهرمونات المرتبطة بالتمثيل الغذائي، بينما تساعد التمارين البدنية المعتدلة (مثل المشي السريع ١٥٠ دقيقة أسبوعيًّا) في خفض الوزن الزائد وتحسين حساسية الإنسولين، ما يعزّز إخراج حمض اليوريك. كما أن تجنّب المشروبات السكرية — خاصة تلك المحلاة بالفركتوز — والكحول (وخاصة البيرة) أمرٌ لا غنى عنه، لأن كليهما يثبّطان إفراز اليوريك من الكلى ويحفّزان إنتاجه داخليًّا.
في الختام، لا توجد «وصفة سحرية» أو «مذنب غذائي واحد» يفسّر ارتفاع حمض اليوريك، ولا يوجد «مفتاح سحري» للتخلّص منه عبر إلغاء منكّهات مطبخية مألوفة. الصحة ليست مسألة حظر أو تبني، بل هي توازن دقيق بين التغذية المُحكمة، والنشاط البدني المنتظم، ورعاية الأجهزة الحيوية مثل الكلى والكبد. والأهم من ذلك: أن يتحول الفرد من متلقٍ سلبي للشائعات إلى مشاركٍ واعٍ في رعايته الذاتية، بالاعتماد على الاستشارات الطبية الموثوقة، والفحوصات الدورية، وفهم الآليات البيولوجية وراء الأمراض — لا على الترهيب الغذائي أو الحلول السطحية.