انتشر مؤخرًا على وسائل التواصل الاجتماعي ادعاءٌ يزعم أن شرب «كأسين من الخمر الأبيض يوميًّا» يُخفض ضغط الدم، مُستندًا إلى دراسات بحثية مُختارة بعناية. بل إن بعض المُحبين للخمر بدأوا يوظِّفون هذه الادعاءات كـ«حُجَّة طبية» لتشجيع الآخرين على الشرب. لكن الحقيقة العلمية أبعد ما تكون عن هذه الروايات الشعبية: فالعلاقة بين الكحول وصحة القلب والأوعية الدموية تشبه المشي على حبل مشدود — فالتوازن هنا دقيقٌ جدًّا، والانحراف عنه قليلًا قد يحوِّل الكحول من عاملٍ مُفترضٍ «مُساعِدٍ للصحة» إلى «قاتلٍ صامتٍ للأوعية الدموية».
أولاً، العلاقة المُعقَّدة بين الخمر الأبيض وارتفاع ضغط الدم ليست ثنائية البُعد (إما نافعة أو مضرة)، بل تتضمَّن سبعة محاور جدلية مدعومة بأدلة سريرية ومخبرية:
1. تقلبات ضغط الدم غير المستقرة: قد يؤدي استهلاك كمية صغيرة من الكحول إلى توسع وعائي عابر، يشبه إرخاء حبل مشدود فجأة، فيُظهر انخفاضًا ظاهريًّا في قراءات الضغط. لكن هذا التأثير يليه غالبًا ارتدادٌ حادٌّ في اليوم التالي — خاصة بعد شرب الكحول ليلاً — مما يُسبِّب تقلبات شديدة في ضغط الدم تُجهد الجدران الوعائية وتزيد خطر التصلُّب.
2. تسريع شيخوخة الأوعية الدموية: رغم وجود مركبات في الخمر الأبيض تظهر خصائص مضادة للأكسدة في التجارب المخبرية، فإن الناتج الأهم لاستقلاب الكحول في الجسم — وهو الأسيتالدهيد — يعمل كمادة كاشطة على بطانة الأوعية الدموية. ويُظهر البحث أن مرضى ارتفاع ضغط الدم الذين يشربون كحولًا بانتظام يعانون من تسارع ملحوظ في تجدُّد خلايا البطانة الوعائية، ما يُعادل «استنزافًا مبكرًا» لقدرات الإصلاح الطبيعية للأوعية.
3. التعارض الدوائي الخفي: يتدخل الكحول في عمليات استقلاب الأدوية المضادة لارتفاع ضغط الدم في الكبد، خصوصًا تلك التي تعتمد على إنزيمات السيتوكروم P450. وقد يُقلِّل فعالية بعض الأدوية بنسبة تصل إلى 30٪، بينما يُضخِّم آثار أخرى الجانبية الخطيرة — مثل الدوخة الشديدة أو انخفاض الضغط المفاجئ — دون أن يدرك المريض هذا التفاعل الخطر.
ثانيًا، ما يُسمى بـ«الجرعة الآمنة» هي فكرةٌ نسبيةٌ لا تصلح كقاعدة عامة. فعلى سبيل المثال، تشير التوصيات الدولية إلى حدٍّ أقصى قدره 20 غرامًا من الكحول يوميًّا للرجال، أي ما يعادل نحو 50 ملليلترًا من الخمر الأبيض بتركيز 50 درجة. لكن هذا الرقم لا يأخذ في الاعتبار الفروق الفردية الجوهرية: فشخص وزنه 60 كجم سيصل تركيز الكحول في دمه إلى ضعف ما يصل إليه لدى شخص وزنه 80 كجم بعد تناول نفس الكمية، بسبب اختلاف حجم توزيع الكحول في الجسم وسرعة الاستقلاب.
ثالثًا، يختلف معدل استقلاب الكحول بين الأفراد اختلافًا جذريًّا، ويعتمد ذلك على وراثة إنزيمَي «الكحول ديهيدروجينيز» و«الأسيتالدهيد ديهيدروجينيز». فبعض الأشخاص يمتلكون نسخة نشطة من الإنزيم الثاني، فيتحملون الكحول دون أعراض واضحة، بينما يعاني آخرون من احمرار الوجه والغثيان بعد رشفة واحدة — وهؤلاء يواجهون خطرًا مضاعفًا للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية حتى عند استهلاك كميات ضئيلة.
أما ما يُروَّج له من «فوائد تراثية» للكحول، فيحتاج إلى تفكيك علمي دقيق:
1. نظرية «تحريك الطاقة والدم» في الطب الصيني التقليدي: صحيح أن الدراسات الحديثة تؤكد أن الكحول يرفع مؤقتًا سرعة التدفق الدموي، لكن هذا التأثير لا يتحقق إلا ضمن شروط دقيقة: مثل شربه دافئًا، وببطء، مع أطعمة ساخنة ومُغذية. أما طريقة الشرب السريعة الراكدة في المناسبات الاجتماعية فهي تُلغي تمامًا أي فائدة محتملة، وتُفاقم التأثيرات السلبية.
2. المكونات النشطة في التخمير: تنتج بعض أنواع الخمر الأبيض المصنوعة من الحبوب الكاملة مركبات ثانوية أثناء التخمير، مثل البوليفينولات، والتي أظهرت في الدراسات المخبرية قدرةً على تنظيم مستويات الدهون في الدم. لكن الحصول على هذه المركبات عبر شرب الخمر يتطلب تحمل جرعات كحولية تُسبب ضررًا كبديًّا يفوق الفائدة المحتملة بعدة أضعاف.
3. التأثير النفسي المؤقت: لا يمكن إنكار أن تناول كمية صغيرة من الكحول قد يخفف التوتر ويقلل هرمونات الإجهاد مثل الكورتيزول، مما يُحدث انخفاضًا مؤقتًا في ضغط الدم. لكن هذه الفائدة تبدأ في التلاشي فور تجاوز حالة «النشوة الخفيفة»، وكل رشفة إضافية بعد ذلك تُلغي التأثير الإيجابي وتُضيف عبئًا على القلب والأوعية.
والحقيقة أن الدراسات التي تشير إلى أي فائدة محتملة للكحول تُنشر غالبًا في زوايا متخصصة من المجلات العلمية، وتخضع لقيود صارمة جدًّا: كالالتزام بالجرعة الدقيقة، وتوقيت الاستهلاك، والحالة الصحية العامة للمشاركين. أما بالنسبة لمرضى ارتفاع ضغط الدم، فإن الخيار الأكثر أمانًا وفعالية هو تقليل استهلاك الكحول إلى أقل حدٍّ ممكن — أو التوقف عنه تمامًا. ولمن يبحث عن بدائل تراثية أقل خطورة، فإن الخمر الأصفر الدافئ (الهوانغ جيو) أو عصائر التخمير غير المقمرة مثل «اللاو تساو» تبقى خيارات أكثر حكمة، إذ تحافظ على المكونات الغذائية المفيدة من عملية التخمير مع خفض مخاطر الكحول بشكل كبير.