تنتشر في أرفف السوبرماركت أنواعٌ عديدة من ملح الطعام، تتفنّن في تغليفها بألوانٍ زاهية — حمراء، خضراء، زرقاء — وتختلف في ملصقاتها: فبعضها يُعلن صراحةً عن «إضافته اليود»، بينما يُركّز آخر على كونه «خالياً من اليود». ويجد كثيرٌ من المستهلكين أنفسهم أمام حيرةٍ عند الاختيار: أيُّ هذه الأنواع يناسب صحتهم وصحة عائلتهم حقاً؟ فالملح، رغم بساطته وصغر حجمه، يحمل في طيّاته رموزاً صحيةً بالغة الأهمية، لا سيما فيما يتعلق بتوازن العناصر الدقيقة الضرورية لوظائف الجسم الحيوية.
أولاً: الفرق الجوهري بين الملح المدعم باليود والملح غير المدعم
يتكوّن الملح المدعم باليود من كلوريد الصوديوم مع إضافاتٍ دقيقة من مركبات اليود، مثل يودات البوتاسيوم أو يوديد البوتاسيوم، وهي كمياتٌ ضئيلةٌ لكنها حاسمةٌ من الناحية الفسيولوجية. أما الملح غير المدعم، سواء أكان مستخرجاً من البحر أو من الصخور أو البحيرات المالحة، فلا يحتوي على هذه الإضافات، حتى لو كان «طبيعيّاً» أو «عضوياً» وفق ادعاءات التسويق. ومن الناحية السكانية، يُوصى بالملح المدعم باليود لمعظم الأفراد الأصحّاء، إذ يشكّل وسيلةً فعّالةً للوقاية من أمراض نقص اليود. أما الملح غير المدعم، فيُستعمل حصراً تحت إشراف طبي دقيق، خاصةً لدى بعض مرضى الغدة الدرقية، مثل حالات التهاب الغدة الدرقية المناعي (هاشيموتو) أو فرط نشاط الغدة الدرقية الناتج عن مرض غريفز، حيث قد تفاقم كميات اليود الزائدة الحالة المرضية.
ثانياً: لماذا يُعد اليود عنصراً لا غنى عنه في النظام الغذائي اليومي؟
اليود عنصرٌ كَميّ دقيقٌ ضروريٌ لتصنيع هرموني الثيروكسين (T4) وثلاثي يود الثيرونين (T3) في الغدة الدرقية. وله دورٌ محوريٌ في تنظيم الأيض الأساسي، ونمو الدماغ وتطور الجهاز العصبي المركزي، لا سيما خلال المرحلة الجنينية والمُبكرة من الطفولة. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نقص اليود يُعتبر السبب القابل للوقاية الوحيد الأكثر انتشاراً في العالم للتأخر العقلي والإعاقات التعلّمية عند الأطفال. أما عند البالغين، فقد يؤدي النقص المزمن إلى تضخّم الغدة الدرقية (الدرقية)، واضطرابات في الوظيفة الدرقية مثل قصور الغدة الدرقية، مع أعراضٍ تشمل التعب الشديد، وزيادة الوزن، وجفاف الجلد، وضعف التركيز.
ثالثاً: كيف تختار النوع الأنسب لك ولعائلتك؟
في الواقع، يُوصى بانتظام باستخدام الملح المدعم باليود لغالبية السكان، ما لم تكن تعيش في مناطق ذات محتوى طبيعي مرتفع من اليود في التربة والمياه — وهي حالات نادرة في معظم الدول العربية — أو لم يوجّهك طبيبٌ متخصصٌ في الغدد الصماء بعدم استخدامه. وقد أثبتت البرامج الوطنية لإثراء الملح باليود، التي تطبّق منذ عقود في العديد من البلدان، فعاليتها في القضاء شبه التام على التضخّمات الدرقية المتوطنة وأمراض نقص اليود الأخرى. أما بالنسبة للمصابين بأمراض درقية محددة، فيجب ألا يتخذ القرار بناءً على معلومات عامة أو نصائح غير موثوقة، بل فقط بعد تقييم سريري شامل يشمل قياس مستويات هرمونات الغدة الدرقية ومضادات الأجسام المرتبطة بها.
رابعاً: أخطاء شائعة في اختيار الملح
من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشاراً أن «الملح غير المدعم هو أقرب إلى الطبيعة وأكثر أماناً». وهذا الافتراض غير مدعوم علمياً؛ فالطبيعة لا تُصنّف الأملاح بهذه الطريقة، بل يتحدد معيار السلامة والفعالية حسب الاحتياج الفسيولوجي الفردي. كما أن الاعتقاد بأن الملح المستورد «أفضل جودة» أو «أكثر أماناً» يحتاج إلى تدقيق دقيق: فمعايير إثراء الملح باليود تختلف من بلدٍ لآخر، وبعض المنتجات المستوردة قد تكون خالية تماماً من اليود أو تحتوي على تركيزات غير مناسبة لاحتياجات السكان المحليين. لذا، فإن قراءة الملصق الغذائي بدقة — والبحث عن قيمة اليود المعبّر عنها بالميكروغرام لكل غرام من الملح — هي خطوة لا غنى عنها قبل الشراء.
خامساً: نصائح عملية لاستخدام الملح بذكاء
أولاً، لا يقلّ أهميةً نوع الملح عن كميته: فتوصي منظمة الصحة العالمية بعدم تجاوز استهلاك الشخص البالغ ٦ غرامات من الملح يومياً (أي ما يعادل نحو ملعقة صغيرة)، لأن الإفراط في تناول الصوديوم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بارتفاع ضغط الدم، وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتة الدماغية. ثانياً، يجب تخزين الملح في مكانٍ بارد وجاف، بعيداً عن أشعة الشمس المباشرة والرطوبة العالية، لأن اليود مادةٌ متطايرة تفقد فعاليتها بفعل الحرارة والرطوبة، خاصةً إذا طال مدة تخزين العبوة بعد الفتح. ولذلك، يُفضّل شراء الكميات المناسبة واستهلاكها خلال فترة قصيرة.
وباختصار، فإن قرار اختيار الملح ليس مجرد خيارٍ تجميليٍ أو تسويقيٍ، بل هو قرارٌ صحيٌ استراتيجيٌ يؤثر في وظائف الغدة الدرقية، ونمو الدماغ، وتوازن الأيض. فقبل أن تضع عبوة الملح في سلة التسوق، خذ لحظةً لتقرأ الملصق، وفكّر في احتياجاتك الصحية الشخصية، واستشر طبيبك إن كنت تعاني من أي اضطراب درقي. فالاعتدال في الاستخدام، والاختيار الواعي للنوع، هما أساس التمتع بالنكهة دون التضحية بالصحة.