في ظلّ ازدياد الوعي الصحي والمالي في المجتمعات العربية، تبرز عادات يومية يمارسها الكثيرون دون إدراكٍ لتأثيرها السلبي العميق على صحتهم ورفاهيتهم المالية على المدى الطويل. فما قد يبدو للوهلة الأولى «تقتيراً حكيماً» أو «اقتصاداً ذكياً» قد يكون في الحقيقة نمطاً سلوكياً يُهدر الموارد الأثمن: الوقت والصحة والطاقة العقلية.
أول هذه الأنماط هو ما يُسمّى بـ«التقشّف المفرط الذي يتحول إلى فنٍ سلوكي». فبعض الأسر تُبقي على أجهزة كهربائية قديمة — مثل ثلاجات عمرها عقدين أو مكيفات لا تزال تعمل رغم انخفاض كفاءتها بنسبة تتجاوز ٤٠٪ — ظناً منها أن الاستمرار في استخدامها يوفّر المال. لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن استهلاك الطاقة لهذه الأجهزة يفوق نظيراتها الحديثة ذات التصنيف الطاقي (A+++) بنسبة تتراوح بين ٥٠٪ و٧٠٪، فضلاً عن تكاليف الصيانة المتكررة التي تفوق قيمة استبدال الجهاز الجديد خلال ثلاث سنوات.
وثاني هذه السلوكيات هو «الاكتناز غير الوظيفي»: حيث تمتلئ المنازل بكميات هائلة من المواد غير المستخدمة — من أكياس بلاستيكية صفراء باهتة إلى ملابس رياضية لم تُلبَس منذ سنوات. وهذا النمط لا يُهدِر المساحة المعيشية فحسب، بل يُولّد ضغطاً نفسياً مزمناً، إذ أظهرت دراسات في علم البيئة السلوكية أن الفوضى البصرية المستمرة ترفع مستويات الكورتيزول بنسبة تصل إلى ٢٥٪، وتضعف القدرة على اتخاذ القرارات اليومية.
أما النمط الثالث فهو «تأجيل الاستثمار الذكي»: كالانتظار حتى انتهاء صلاحية السلع الغذائية للحصول على خصم، أو تأجيل شراء جهاز طبي منزلي ضروري — مثل جهاز قياس الضغط أو جهاز مراقبة نسبة السكر — تحت ذريعة «الانتظار حتى يصبح أرخص». وفي الواقع، فإن تكلفة الوقاية المبكرة تقلّ بنسبة تصل إلى ٩٠٪ مقارنة بتكلفة العلاج بعد تفاقم الحالة، وفق تقارير منظمة الصحة العالمية.
وفي الجانب الزمني، يُخطئ كثير من الناس حين يقدّرون الوقت كموارد قابلة للتعويض. فالسير خمسة كيلومترات للوصول إلى سوق الجملة لتوفير ثلاثة دراهم، أو قبول وظائف جزئية منخفضة المهارات دون استثمار الوقت في تعلّم مهارات رقمية أو لغوية، يُعدّان من أخطر أشكال «الاستثمار السلبي». فكل ساعة تقضى في نشاط لا يُولّد قيمة مضافة — سواء معرفية أو مالية أو صحية — تُعادل خسارة فرصة اكتساب مهارة ترفع الدخل بنسبة ١٥٪ على الأقل خلال عامين.
أما فيما يتعلق بالصحة، فهي ليست مجرد غياب المرض، بل نظام استثماري دقيق. فالامتناع عن الفحوصات الدورية — تحت شعار «ما دمت لا أشعر بألم فلا داعي للزيارة» — يُعتبر خطأً استراتيجياً. فعلى سبيل المثال، يمكن لفحص السكري الروتيني أن يكشف عن مقاومة الإنسولين قبل ظهور الأعراض بخمس سنوات، مما يتيح تدخلاً غذائياً وسلوكياً يمنع تطور المرض بنسبة تصل إلى ٨٠٪. أما الاعتماد على القهوة المركزة والحرمان المزمن من النوم، فيؤديان إلى اضطرابات في إفراز الميلاتونين والكورتيزول، ما يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري بنسبة ٣٠٪ وفق دراسات نُشرت في مجلة «The Lancet Public Health».
المفتاح ليس في التخلي عن القيم الرشيدة كالاقتصاد والاجتهاد، بل في إعادة تعريفها وفق معايير علمية معاصرة: الاقتصاد الحقيقي هو استثمار الوقت في التعلم، والاجتهاد الحقيقي هو الحفاظ على الصحة كأصل استراتيجي لا يُستهان به. فالعائلة الذكية ليست التي تملك أكثر الأجهزة قِدَماً، بل التي تُجدّد عاداتها كما تُحدّث أنظمتها الرقمية. والثروة الحقيقية ليست في ما ندّخره من دراهم، بل في ما نحميه من طاقة، ونستثمره من وقت، ونعزّزه من صحة.