كيف نُعلِّم الأطفال الذين يسلكون سلوكياتٍ متطرفة؟
في عالمٍ يزداد فيه الضغط النفسي على الأطفال يومًا بعد يوم، تبرز ظاهرة «السلوك المتطرف» لدى بعض الصغار كمؤشرٍ تحذيريٍّ يستدعي فهمًا عميقًا وتدخلًا مبكرًا. لا يُقصد بالسلوك المتطرف هنا الجرائم أو الانته
في عالمٍ يزداد فيه الضغط النفسي على الأطفال يومًا بعد يوم، تبرز ظاهرة «السلوك المتطرف» لدى بعض الصغار كمؤشرٍ تحذيريٍّ يستدعي فهمًا عميقًا وتدخلًا مبكرًا. لا يُقصد بالسلوك المتطرف هنا الجرائم أو الانتهاكات القانونية، بل تلك التعبيرات الحادة في ردود الفعل العاطفية أو السلوكية التي تتجاوز المألوف في العمر النمائي: كالانفجارات الغاضبة الشديدة، والرفض القاطع لأي توجيه، أو الانسحاب الكامل من التفاعل الاجتماعي، أو حتى نوبات البكاء المستمرة دون سبب ظاهر.
ويؤكد خبراء الطب النفسي للأطفال والمراهقين أن هذه السلوكيات ليست «توعُّدًا» أو «عنادًا بحتًا»، بل هي لغة غير ناضجة يلجأ إليها الطفل للتعبير عن مشاعر لا يستطيع تسميتها أو تنظيمها — مثل القلق المفرط، أو الإحباط المزمن، أو الشعور بالعجز أمام متطلبات البيئة المحيطة. وقد تتفاقم هذه الاستجابات عند وجود عوامل خطر معروفة طبيًّا، مثل اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، أو اضطرابات الطيف التوحدي، أو اضطرابات القلق العام، أو حتى صدمات نفسية سابقة لم تُعالَج.
ولذلك، فإن أول خطوة فعّالة في التعامل مع الطفل ذي السلوك المتطرف ليست التأديب أو التصنيف، بل التقييم الشامل: يشمل ذلك استشارة طبيب نفسي أطفال مؤهل، وتقييمًا تربويًّا ونفسيًّا متكاملًا، وفحصًا جسديًّا لاستبعاد أسباب عضوية محتملة — كاضطرابات الغدة الدرقية أو نقص الفيتامينات المؤثرة في المزاج والطاقة العصبية. ويُوصى بشدة بعدم الاعتماد على التشخيص الذاتي أو مقارنة الطفل بأقرانه دون تحليل سياقي دقيق.
أما في الممارسة اليومية، فالنهج الأفضل يرتكز على «التنظيم العاطفي المشترك»: أي أن يقدّم الكبار نموذجًا حيًّا لكيفية التعرف على المشاعر، وتسميتها، واحتوائها بطرق صحية — قبل أن نطلب من الطفل فعل ذلك. فمثلًا، بدل قول «اهدأ الآن!»، يمكن للوالد أن يقول: «أرى أنك غاضب جدًّا، ويداي ترتجفان، وهذا طبيعي جدًّا عندما نشعر أن شيئًا ما خرج عن سيطرتنا. هل نتنفّس معًا ثلاث مرات؟». هذه الاستراتيجية لا تُهدئ الطفل فحسب، بل تُنمّي لديه مهارات التنظيم الذاتي على المدى الطويل.
ولا يقل أهميةً عن ذلك دور البيئة التربوية الداعمة: فالروتين الواضح، والحدود المعقولة المُوضَّحة بلغة إيجابية، وفرص اتخاذ قرارات صغيرة ضمن إطار آمن، كلها عوامل مثبتة علميًّا في تقليل التصعيد السلوكي. أما العقاب البدني أو التهديد أو الإهمال العاطفي، فهي ليست فقط غير فعّالة، بل قد تُفاقم الاضطرابات العصبية والعاطفية وتُضعف الثقة بالنفس والارتباط الآمن.
ختامًا، التعامل مع الطفل ذي السلوك المتطرف ليس اختبارًا لقوة الوالدين، بل فرصةٌ ثمينة لبناء مهارات تنظيم ذاتية عميقة، وتعزيز المرونة النفسية منذ الصغر. وكل تدخل مبكّر، مبني على فهم علمي ورحمة عملية، هو استثمارٌ مباشر في صحة الطفل النفسية والعصبية على مدى الحياة.