يُعَدُّ ارتفاع حمض اليوريك في الدم (فرط حمض اليوريك) حالةً شائعةً تُهدِّد صحة كبار السن والبالغين على حدٍّ سواء، وقد يمرُّ دون أعراضٍ واضحةٍ لفترةٍ طويلةٍ، لكنه يُسبِّب في المقابل مضاعفاتٍ جسيمةً مثل النقرس، وحصوات الكلى، وأمراض القلب والأوعية الدموية. ولحسن الحظ، لا يقتصر العلاج على الأدوية فقط؛ بل تلعب التغذية دوراً محورياً في تنظيم مستويات حمض اليوريك، حيث توجد أطعمةٌ مُثبتٌ علمياً قدرتها على تعزيز إفرازه من الجسم أو تحييد تأثيره الضار.
وتُعَدُّ الألبان ومنتجاتها من أكثر المصادر فعاليةً في خفض حمض اليوريك، بفضل احتوائها على بروتيناتٍ خاصةٍ تحفِّز وظيفة الكلى في التخلُّص منه. ويُوصى باختيار الأنواع قليلة الدسم أو الخالية من الدهون للحفاظ على التوازن الغذائي وتجنُّب زيادة العبء على الجهاز الهضمي والتمثيلي. أما الزبادي المخمَّر، فيضيف بعداً آخر عبر احتوائه على بكتيريا نافعة (بروبيوتيك) تحسِّن بيئة الأمعاء وتؤثر إيجابياً في استقلاب البيورينات. ومن الأفضل أن يكون الزبادي خالياً من السكر المضاف، مع تناوله كوجبة خفيفة أو في وجبة الإفطار، مع تجنُّب دمجه مع الأطعمة الغنية بالبيورين مثل الكبد أو الأسماك المجففة.
أما الخضروات الطازجة، فهي بمثابة «منظِّف طبيعي» لحمض اليوريك داخل الجسم. فالخضروات الورقية الخضراء الداكنة — مثل السبانخ والملوخية والخس — غنية بالمعادن القلوية (مثل البوتاسيوم والمغنيسيوم)، التي تساعد في تحييد الحموضة المتزايدة في البول، مما يسهِّل طرح حمض اليوريك. ويُفضَّل طهيها بالسلق السريع أو القلي الخفيف للحفاظ على قيمتها الغذائية. وفي المقابل، تمتاز القرعيات — كالكوسا واليقطين والبطيخ الأبيض — بمحتواها المرتفع من الماء وخصائصها المدرَّة للبول، ما يعزِّز الترشيح الكلوي لحمض اليوريك. كما أن بعض الفطر الطازج — مثل المشروم والشيتاكي — يحتوي على بولي سكاريدات ذات تأثير تنظيمي على الاستقلاب، شريطة أن يُطبخ جيداً لضمان سلامته وعدم انتقال أي مسببات عدوى.
وبالنسبة للفواكه، فإن الكرز يبرز كأحد أكثر الأصناف فعاليةً في هذا السياق، إذ يحتوي على مركبات نباتية (مثل الأنثوسيانين) تثبِّط إنزيم زانتين أوكسيديز المسؤول عن إنتاج حمض اليوريك. ويُفضَّل تناوله طازجاً وبكميات معتدلة يومياً (حوالي 10–15 حبة). أما الحمضيات — كالبرتقال والجريب فروت والليمون — فتسهم في قلوية البول بفضل محتواها العالي من فيتامين C والبوتاسيوم، ما يمنع تبلور حمض اليوريك ويساعد في طرحه بكفاءة أعلى. ويُنصح بأكلها كاملةً بدلاً من عصرها، لأن ذلك يحافظ على الألياف الغذائية التي تضبط امتصاص السكريات وتدعم صحة الأمعاء. وأخيراً، تُعدُّ التوتيات — كالتوت الأزرق والفراولة — مصدراً غنياً بمضادات الأكسدة التي تخفف من الإجهاد التأكسدي المرتبط بارتفاع حمض اليوريك، وهي منخفضة السكر نسبياً، ما يجعلها خياراً مثالياً كوجبة خفيفة صحية.
ولا يكفي الاعتماد على هذه الأطعمة وحدها؛ بل يجب دمجها ضمن نمط حياة صحي شامل: يشمل شرب كميات كافية من الماء (8–10 أكواب يومياً)، وممارسة النشاط البدني المنتظم (مثل المشي السريع 30 دقيقة يومياً)، وتجنب الكحول والمشروبات المحلاة بالسكريات المُصنَّعة. فالتحكم في حمض اليوريك ليس مسألة علاجية طارئة، بل هي استثمارٌ طويل الأمد في صحة الكلى والمفاصل والقلب — ويبدأ هذا الاستثمار من اختيارك اليومي لأطباقك.