على مائدة الطعام، تُعتبر المأكولات البحرية من أوائل الأطعمة التي يتجنبها مَن يعانون من ارتفاع حمض اليوريك أو يخضعون لعلاج النقرس. فهذه الأطعمة غنية جدًّا بالبيورينات، وهي المركبات التي تتحوّل في الجسم إلى حمض اليوريك. لكن ما قد يغفله الكثيرون هو أن بعض الخضروات «الظاهريّة» كأنها خفيفة وصحية، قد تكون في الواقع مصدرًا غير متوقعٍ لمستويات عالية من البيورينات — بل وقد تفوق في محتواها البيوريني بعض أنواع الأسماك والمحار. وهذا الأمر لا يهم فقط المصابين بالنقرس أو ارتفاع حمض اليوريك، بل أيضًا أولئك الذين يعانون من آلام مفصلية غير مبررة أو لديهم نتائج فحوص دموية تشير إلى اضطراب في استقلاب البيورينات.
أولًا: الخضروات ذات المحتوى البيوريني المرتفع — والتي يُساء فهمها غالبًا
١. البقوليات وجفافها: تركيز خفي للبيورينات
الصويا الطازجة أو المطبوخة ضمن أطباق معتدلة تصنَّف عادةً ضمن الأغذية متوسطة المحتوى البيوريني. لكن عند تحويلها إلى أشكال جافة مثل الفاصولياء الجافة أو «التوكان» (قشر الصويا المجفف) أو «الدُّوفو الجاف»، تنخفض نسبة الماء بشكل كبير، مما يؤدي إلى تركيزٍ ملحوظٍ في محتوى البيورينات. فمثلاً، الكمية نفسها من الفاصولياء الجافة تحتوي على بيورينات أكثر من كثير من أنواع الروبيان أو السلمون. ولذلك، فإن اعتبار جميع مشتقات الصويا «آمنة» دون ضبط الكميات أو طريقة التحضير قد يُحدث اضطرابًا في مستويات حمض اليوريك لدى المعرّضين. ويُوصى بنقع هذه البقوليات لعدة ساعات قبل الطهي، ثم سلقها جيدًا مع تصريف الماء، أو تفضيل الأشكال الغنية بالماء مثل التوفو الناعم أو الحليب النباتي المخفف.
٢. الفطر المجفف والطحالب البحرية: طعمٌ لذيذ ومخاطر خفية
الفطر الطازج مثل المشروم العادي يحتوي على بيورينات معتدلة، أما الفطر المجفف — خاصة عيش الغراب (الشنغورو) والكركمان المجفف والكِلْبِر (الإسفنج البحري)، فهو يحتوي على تركيز عالٍ جدًّا من البيورينات بسبب فقدان الماء أثناء التجفيف. وبالمثل، تُعدّ الأعشاب البحرية مثل النوري والسبيرولينا من المصادر النباتية الغنية بالبيورينات. والأمر الأكثر خطورة هو استخدام هذه المكونات في المرق أو الشوربات؛ إذ تذوب البيورينات بكفاءة عالية في الماء الساخن، ما يجعل المرق نفسه مصدرًا رئيسيًّا لحمض اليوريك. ولذلك، يُنصح بتناول الفطر الطازج بدلًا من المجفف، وتجنب شرب المرق المُحضَّر من هذه المكونات، أو تخفيفه بشدة إن وُجد في النظام الغذائي.
٣. الهليون وبراعم النباتات: قمة النشاط الخلوي، وقمة البيورينات
يُقدَّر الهليون لقيمته الغذائية واحتوائه على حمض الفوليك والبوتاسيوم، لكنه يحتل مكانة متقدمة بين الخضروات من حيث المحتوى البيوريني — خاصة في الجزء العلوي الناضئ منه، حيث تكون الخلايا في طور انقسام نشيط، وبالتالي غنية بالأحماض النووية التي تتحلل إلى بيورينات. كما أن براعم البازلاء وبراعم الفاصولياء (الجراثين) وبراعم الصويا (الدُّوبي) تُظهر ارتفاعًا ملحوظًا في البيورينات خلال مراحل النمو الأولى. وهذه ليست محرمات مطلقة، لكن الإفراط في تناولها يوميًّا أو بكميات كبيرة قد يُسهم في تراكم البيورينات لدى المرضى ذوي التحكم الضعيف في حمض اليوريك.
ثانيًا: استراتيجيات غذائية قائمة على الأدلة العلمية
١. طرق الطهي الذكية لتقليل البيورينات
البيورينات مركبات قابلة للذوبان في الماء، لذا فإن تقنية «السلق المبدئي» (التنقيع أو السلق السريع في ماء مغلي لمدة دقيقتين ثم تصريف الماء) تُقلل من محتوى البيورينات بنسبة تصل إلى ٣٠–٥٠٪ دون التأثير الكبير على القيمة الغذائية الأساسية. هذه الطريقة فعالة جدًّا مع الهليون والفطر والبقوليات الجافة. كما أن الغلي الطويل للمكونات البقولية يساعد في تحلل جزء من البيورينات، فلا يُنصح بتقليص وقت الطهي لتحقيق القوام المطلوب على حساب السلامة الأيضية.
٢. التوازن الغذائي وليس الحظر المطلق
الهدف ليس استبعاد الخضروات المذكورة تمامًا، بل تحقيق توازن في إجمالي المدخول اليومي من البيورينات. فإذا تم تضمين كمية معتدلة من الفطر أو الهليون في وجبة ما، فيجب حينها تقليل أو استبعاد المصادر الحيوانية عالية البيورينات مثل الكبد أو الكلى أو الرنجة أو المرق اللحومي. وفي المقابل، يُوصى بزيادة النسبة المئوية للأغذية منخفضة البيورينات في الوجبة: كالخس والملفوف والجزر والكوسا والبطاطا الحلوة، بالإضافة إلى البيض ومنتجات الألبان قليلة الدسم، والتي لا ترفع مستويات حمض اليوريك بل قد تساهم في خفضها.
٣. الماء: العامل المُنظِّم الأساسي لاستقلاب حمض اليوريك
الماء ليس مجرد عنصر ترطيب، بل هو وسيلة أساسية لتسهيل إفراز حمض اليوريك عبر الكلى. فالجفاف أو انخفاض تناول السوائل يزيد من تركيز حمض اليوريك في البلازما، ويعزز ترسب بلورات اليورات في المفاصل أو الكلى. ولذلك، يُوصى لمرضى ارتفاع حمض اليوريك بشرب ما لا يقل عن ٢–٢.٥ لتر من الماء يوميًّا، مع زيادة الكمية بعد تناول الأطعمة عالية البيورينات. ويُفضل توزيع الشرب على مدار اليوم بدلًا من تناول كميات كبيرة مرة واحدة.
ثالثًا: تصحيح المفاهيم الخاطئة الشائعة
١. الفرق بين البيورينات النباتية والحيوانية
لا يُعادل تأثير البيورينات النباتية تأثير البيورينات الحيوانية من حيث درجة رفع حمض اليوريك في الدم. فالألياف والمركبات النباتية الأخرى (مثل البوليفينولات) قد تُبطئ امتصاص البيورينات أو تُعدل استقلابها. وبالتالي، فإن تناول الهليون أو الفطر باعتدال لا يحمل نفس الخطورة التي يشكلها تناول الكبد أو السردين. لكن هذا لا يعني الاستهانة به، بل يؤكد أهمية «الكمية» و«التكرار» كعوامل حاسمة في التقييم الغذائي.
٢. الاختلاف الفردي في الاستجابة الغذائية
لا يوجد نظام غذائي واحد يناسب الجميع. فبعض المرضى يلاحظون ارتفاعًا في مستويات حمض اليوريك أو ظهور أعراض نقرسية بعد تناول كميات صغيرة من الفطر، بينما يتحمل آخرون كميات أكبر دون أي تأثير. ولذلك، يُوصى بإعداد «يومية غذائية» تسجّل فيها الأطعمة المتناولة والأعراض المصاحبة ونتائج الفحوص الدورية، لتحديد قائمة الأطعمة الشخصية الآمنة وغير الآمنة، بدلًا من الاعتماد على قوائم عامة غير مخصصة.
٣. التدخل الشامل لا يقتصر على النظام الغذائي
إن التحكم في حمض اليوريك يتطلب نهجًا متعدد المحاور: فالسمنة المفرطة، وقلة النشاط البدني، واضطرابات النوم، والإجهاد النفسي المزمن، كلها عوامل تثبط إفراز حمض اليوريك وتزيد من إنتاجه. ومن غير المجدي الالتزام الصارم بتجنب الخضروات عالية البيورينات، بينما يبقى الوزن زائدًا أو يُمارس الرياضة أقل من ثلاث مرات أسبوعيًّا أو يُهمل النوم المنتظم. فالصحة الأيضية تتطلب تكاملًا بين التغذية المتوازنة، والحركة المنتظمة، وإدارة الضغوط، ومراقبة المؤشرات الحيوية دورياً.
إن التغذية الصحية ليست قائمة على الحظر أو التصنيف الأسود والأبيض، بل هي فنٌّ دقيقٌ للتوازن والوعي. فالمعرفة بأنواع الخضروات التي تحمل محتوى بيوريني مرتفع لا تهدف إلى إثارة القلق، بل إلى تمكين الشخص من اتخاذ قرارات واعية. ومع تطبيق طرق الطهي المناسبة، والتخطيط المتوازن للوجبات، وتعزيز العادات الحياتية الداعمة، يمكن الاستمتاع بالتنوع الغذائي دون المساس بالصحة الأيضية. فالهدف ليس الحرمان، بل هو الاستمتاع بالطعام بذكاء — لأن الصحة الحقيقية تبدأ عندما نأكل بفهم، ونعيش بانسجام.