تنتشر بين عامة الناس مزاعم غير مبنية على أدلة علمية تدّعي أن الفجل يُفاقم مشكلات الجهاز التنفسي، بل وقد وُصِفَ في بعض الروايات الشعبية بأنه «عامل محفِّز» للأمراض الرئوية. وهذه المفاهيم الخاطئة تثير القلق لدى كثير من المحبين للفجل، فيبتعدون عنه ظنًّا منهم أن تناوله قد يثقل كاهل الجهاز التنفسي أو يُضعف وظائف الرئة. لكن الحقيقة الطبية تشير إلى أن الفجل نباتٌ معتدل الطبع غنيٌّ بمضادات الأكسدة والألياف والفيتامينات مثل «ج» و«ك»، ولا يحمل أي خاصية ضارة بالرئة عند تناوله باعتدال. بل إن حرمان الجسم منه دون سبب طبي مُبرَّر قد يؤدي إلى نقص في العناصر الغذائية الضرورية لتعزيز المناعة وتجدد أنسجة الجهاز التنفسي.
ومع ذلك، فثمة أطعمةٌ فعلًا قد تُسهم — وفقًا للأدلة السريرية والتغذوية — في زيادة إفراز البلغم أو تهيج المجاري التنفسية، خاصة لدى المصابين بأمراض رئوية مزمنة مثل الربو أو التهاب القصيبات أو انتفاخ الرئة، أو حتى لدى المتعافين حديثًا من التهابات تنفسية حادة. ويجب التمييز هنا بين «الحساسية الفردية» و«التأثير الفيزيولوجي العام» لهذه الأطعمة، إذ لا يُمنع تناولها قطعيًّا، بل يُوصى بتعديل الكميات والطريقة وفق حالة المريض.
الأطعمة التي قد تزيد من إنتاج البلغم:
أولًا: الفواكه عالية المحتوى السكري، مثل الليتشي واللُّوكي والتين المجفف المحلى. فالفركتوز والسكريات المُضافَة تحفِّز التغيرات الأيضية التي ترفع لزوجة الإفرازات التنفسية، ما يجعل البلغم أكثر صعوبة في الإخراج، ويُفاقم الشعور بالاحتقان لدى المرضى ذوي السعال المصحوب بالبلغم.
ثانيًا: المكسرات الدهنية جدًّا أو المُصنَّعة بصورتها المالحة أو المحلاة، مثل الفول السوداني المحمص بالسكر أو الجوز المغطى بالشوكولاتة. فالدهون الزائدة تترك طبقة دهنية على الغشاء المخاطي للبلعوم، مما يحفِّز إفراز المخاط استجابةً للإحساس باللزوجة، لا بسبب التهاب حقيقي، بل كاستجابة انعكاسية.
ثالثًا: الفواكه الباردة جدًّا والمُبرَّدة مباشرةً من الثلاجة، مثل البطيخ والشمام، خاصة في الأجواء الباردة أو أثناء نزلات البرد. فالتبريد المفاجئ لأغشية الجهاز التنفسي العلوية يُسبب انقباضًا في الأوعية الدموية وزيادة في إفراز المخاط كآلية دفاعية، ما قد يُثير السعال أو يُطيل فترة التعافي.
الأطعمة التي قد تهيّج المجاري التنفسية مباشرةً:
أولًا: الخضروات ذات النكهة الحارّة جدًّا عند تناولها نيئة، مثل الفلفل الحار والثوم النيء والبصل النيء. فالمكونات الطيارة فيها — كالكابسيسين والأللين — تُحفِّز المستقبلات العصبية في الحنجرة والقصبة الهوائية، وقد تُسبِّب تشنجًا قصبيًّا أو سعالًا شديدًا لدى المرضى ذوي الحساسية التنفسية أو الالتهابات المزمنة.
ثانيًا: المحار والقشريات، مثل الجمبري والكركند والمحار، فهي من المصادر الشائعة لمسببات الحساسية الغذائية. وحتى لدى غير المحسسين، فإن تناول كميات كبيرة منها أثناء ضعف المناعة أو بعد العدوى التنفسية قد يُثقل كاهل الجهاز المناعي، فيُحفِّز استجابة التهابية ثانوية تظهر أعراضها في الصدر أو الحنجرة.
ثالثًا: الأطعمة المخللة أو المتخمرة لفترات طويلة، مثل المخللات الملحية الغزيرة أو اللحوم المدخنة. فارتفاع محتواها من الأملاح والنيترات، بالإضافة إلى المركبات العضوية الناتجة عن التخمر، قد يُحفِّز ارتجاع العصارة المعدية، ويُسبب اضطرابات في وظيفة الحجاب الحاجز، ما يحد من سعة التوسع الرئوي، كما أن روائحها القوية قد تهيج الغشاء المخاطي الأنفي والبلعومي.
عادات غذائية تعرقل تدفق الهواء الطبيعي:
أولًا: الإفراط في تناول الطعام دفعة واحدة. فتمدد المعدة يدفع الحجاب الحاجز لأعلى، فيقلل المساحة المتاحة لتوسع الرئتين، ويُشعر المريض بضيق تنفس أو ثقل في الصدر — خاصةً لدى مَن يعانون من ضعف وظيفي رئوي مسبق.
ثانيًا: الأكل السريع دون مضغ كافٍ. فهذا يسمح بدخول كميات زائدة من الهواء إلى المعدة، ما يؤدي إلى الانتفاخ وارتجاع الحمض، الذي قد يلامس الحنجرة ويُثير سعالًا مزمنًا أو شعورًا بالاختناق، رغم سلامة الرئة نفسها.
ثالثًا: الجمع بين الأطعمة شديدة الحرارة والشديدة البرودة في وجبة واحدة. فهذه التقلبات الحرارية المفاجئة تُخلّ بالتنظيم العصبي المعوي، وتؤثر عبر الانعكاسات العصبية على عضلات القصبة الهوائية، وقد تُحفِّز سعالًا تشنجيًّا لدى المرضى ذوي الحساسية التنفسية.
وبالتالي، فإن العلاقة بين التغذية والصحة التنفسية ليست قائمة على «أطعمة محرمة مطلقة» أو «أطعمة معجزة»، بل هي علاقة تفاعلية تعتمد على الحالة الفردية، ودرجة التحمل، وطريقة التحضير، وكمية الاستهلاك. والفجل — كغيره من الخضروات — ليس عدوًّا للرئة، بل هو جزءٌ من نظام غذائي متوازن يدعم الصحة التنفسية. أما المفتاح الحقيقي للوقاية والدعم العلاجي فهو تجنُّب المجموعات الثلاث المذكورة أعلاه من الأطعمة، واعتماد أسلوب تغذية هادئ: معتدل في الكم، متنوع في النوع، بطيء في المضغ، ومتناغم في درجة الحرارة. فالتغذية الذكية ليست حرمانًا، بل هي اختيارٌ واعٍ يُعزِّز قدرة الجسم على التنفس بسلاسة، ويُعيد للرئة دورها الحيوي بكل كفاءة.