يُعَدُّ ارتفاع حمض اليوريك في الدم (فرط حمض اليوريك) حالةً شائعةً تُهدِّد صحة المفاصل والكلى والقلب، ويُركِّز التوعية الصحية عادةً على ضرورة تجنُّب الكحول والمحار واللحوم الحمراء، لكنَّ عنصراً خطيراً آخر غالباً ما يُهمَل في هذه المعادلة: التدخين. فبينما يُنظر إلى الإقلاع عن التدخين باعتباره إجراءً وقائياً أساسياً لمصابي أمراض القلب والأوعية الدموية، فإن الأبحاث الحديثة تُظهر أن المدخنين المصابين بفرط حمض اليوريك يواجهون مخاطر مضاعفةً تتجاوز حدود الجهاز التنفسي لتصل إلى التمثيل الغذائي للبيورين، ووظائف الكلى، واستقرار مستويات حمض اليوريك في الدم.
أولاً، كيف يُحفِّز التدخين إنتاج حمض اليوريك بشكل مفرط؟ يعود ذلك إلى تأثير المواد السامة في دخان السجائر على عمليتين حيويتين: الأولى هي استقلاب البيورين في الكبد، حيث تُعطِّل هذه المواد إنزيمات معينة مثل «إكسانثين أوكسيداز» وتُخلِّف اضطراباً في تحويل البيورينات إلى حمض اليوريك، ما يؤدي إلى تراكم غير طبيعي له في الدم. والثانية هي وظيفة الترشيح الكلوي؛ إذ يُسبب التدخين المزمن انقباضاً في الشرايين الكلوية وتندُّباً تدريجياً في وحدات الترشيح (الكبيبات)، مما يُضعف قدرة الكلى على إفراز حمض اليوريك بكفاءة — كأنَّ نظام الصرف الصحي الكلوي قد غُطِّي بطبقة لزجة من الرواسب، فتراجعت سرعة إخراج الحمض وتراكم في المصل.
ثانياً، ما العواقب السريرية الملموسة لدى المرضى المصابين بفرط حمض اليوريك والذين يستمرون في التدخين؟ تشير الدراسات الطولية إلى أن هؤلاء المرضى يعانون من نوبات النقرس الحادة أكثر تكراراً وبشدة أعلى: فبينما قد تحدث النوبة لدى غير المدخن مرة أو مرتين سنوياً، قد تصبح شهرياً أو حتى كل أسبوعين عند المدخن، بسبب تفاعل النيكوتين مع بلورات حمض اليوريك في المفاصل، ما يُفاقم الالتهاب المحلي ويُسرِّع تكوُّن الأجسام النقرسية (Tophi). وفي الواقع، يظهر لدى المدخنين تكوُّن هذه الترسبات في المفاصل الطرفية (كالمفاصل الصغيرة في اليدين والقدمين) قبل غيرهم بمتوسط 3–5 سنوات، كما تكون أحجامها أكبر وأكثر مقاومة للعلاج. أما على المستوى الجهازي، فإن التداخل بين ارتفاع حمض اليوريك المزمن وسموم التدخين — لا سيما أول أكسيد الكربون ومركبات الأكسدة — يُضاعف الضرر البطاني للأوعية الدموية، ويُعزِّز تصلُّب الشرايين، ما يرفع خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية بنسبة ملحوظة.
ثالثاً، ما الفوائد المُوثَّقة التي تترتب على الإقلاع التام عن التدخين لدى هؤلاء المرضى؟ تظهر التحسينات بعد أسابيع قليلة: فبعد ثلاثة أشهر من الإقلاع، تبدأ وظائف الكبد في استعادة توازن استقلاب البيورين، وتتحسَّن كفاءة الترشيح الكلوي تدريجياً، ما يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في قيم حمض اليوريك في التحاليل المخبرية — دون تغيير في النظام الغذائي أو الأدوية. كما تزداد فعالية أدوية خفض حمض اليوريك (مثل ألوبيورينول أو فيبوكيسيبت) عند غياب التداخل الدوائي الناتج عن النيكوتين، ما يسمح بتقليل الجرعات المطلوبة للحفاظ على المستوى المستهدف (< 6 ملغ/دل). وأخيراً، تنخفض مؤشرات الالتهاب الجهازي (كبروتين سي التفاعلي وعدد كريات الدم البيضاء) وتتراجع شدة الأعراض المحلية كالاحمرار والتورم والحرارة في المفاصل، ليس فقط بسبب انخفاض الحمض، بل أيضاً لأن الجسم يتخلَّص من العوامل الالتهابية المباشرة الموجودة في دخان التبغ.
إن تشخيص فرط حمض اليوريك ليس مجرد رقم في تقرير فحص دم، بل هو إنذار مبكرٌ يُنبِّه إلى خلل في التوازن الأيضي والتهاب مزمن يحتاج إلى تدخل شامل. والإقلاع عن التدخين ليس رفاهية صحية، بل جزءٌ أساسيٌّ من الخطة العلاجية لمكافحة النقرس وحماية الكلى والقلب. ولمن يجد صعوبة في الإقلاع المفاجئ، يُوصى بالبدء بتقليل عدد السجائر تدريجياً، أو استبدال السيجارة الصباحية بعلكة خالية من السكر تحتوي على فيتامين B6 أو الزنك اللذين يدعمان استقلاب البيورين، مع تسجيل المدخول الغذائي والنشاط البدني أسبوعياً لمراقبة التغيرات الدقيقة في الاستجابة العلاجية.