في غرفة الاجتماعات المكتظة أو في مطبخ المكتب أثناء استراحة القهوة، قد يُسمع صوتٌ غريبٌ فجأةً، أو ينتشر رائحةٌ مشبوهةٌ دون سابق إنذار — فالتَّنفُّس عبر الشرج (التجشؤ المعوي أو «الريح») ظاهرةٌ طبيعيةٌ تمامًا، لكنها تثير الإحراج أحيانًا حتى عند أكثر الأشخاص هدوءًا. والأكثر إثارةً للقلق هو انتشار مزاعم غير مدعومة علميًّا على الإنترنت تربط بين كثرة الريح وتشخيص سرطان الكبد، ما يدفع بعض الأشخاص إلى تجنب الفحوصات الدورية خوفًا من النتائج.
هل هناك علاقة فعلية بين كثرة الريح وسرطان الكبد؟
لا توجد علاقة سببية مباشرة بين زيادة التَّنفُّس المعوي وسرطان الكبد. فالعلامات المبكرة لهذا المرض عادةً ما تشمل آلامًا مستمرةً في الجزء العلوي الأيمن من البطن، وفقدانًا غير مبرَّرٍ للوزن، واصفرارًا في الجلد أو بياض العينين (اليرقان)، بينما لا يُعد ازدياد الريح مؤشرًا تشخيصيًّا موثوقًا به. والربط العشوائي بينهما يؤدي غالبًا إلى قلقٍ نفسيٍّ زائدٍ لا داعي له، ويُشتِّت الانتباه عن الأعراض الحقيقية التي تستدعي التقييم الطبي الفوري.
والحقيقة أن الجهاز الهضمي هو «المشهد الرئيسي» لهذه الظاهرة. فالأمعاء تنتج يوميًّا مئات المليلترات من الغازات نتيجة نشاط الميكروبيوم المعوي، حيث يمتص الجسم معظمها، بينما يُطرح الجزء المتبقي عبر الشرج. وبعبارةٍ أخرى، فإن الريح ليست علامةً على الخلل، بل هي جزءٌ طبيعيٌّ من عملية الهضم — كأنها «تقرير أداء» يوميٌّ يُرسله القناة الهضمية ليعكس نشاطها الحيوي.
إذن، ما الأسباب الحقيقية لكثرة الريح؟
أولًا: اختلال التوازن الغذائي. فتناول كميات كبيرة من الأطعمة الغنية بالألياف القابلة للتخمر — مثل البطاطا الحلوة، والبقوليات، والكرنب — يحفِّز نمو البكتيريا المفيدة، لكنه قد يزيد أيضًا من إنتاج الغازات. كما أن الأشخاص المصابين بعدم تحمل اللاكتوز يعانون من انتفاخٍ وريحٍ مفرطةٍ بعد شرب الحليب، بسبب تخمر السكر غير المهضوم في القولون. أما عند الإفراط في تناول البروتينات، فقد تتحلل الكميات الزائدة منها في القولون وتُنتج غاز كبريتيد الهيدروجين ذي الرائحة الكريهة المشابهة لرائحة البيض الفاسد.
ثانيًا: ابتلاع كميات زائدة من الهواء (Aerophagia). فعادة التحدث أثناء الأكل، أو شرب السوائل باستخدام القشة، أو مضغ العلكة باستمرار، تؤدي إلى دخول كميات غير طبيعية من الهواء إلى الجهاز الهضمي. وهذه الغازات تمر عبر المعدة والأمعاء دون تفاعل كيميائي، ثم تُطرح على شكل ريحٍ عديمة الرائحة، وقد تشكِّل ما يصل إلى ٧٠٪ من مجموع الريح اليومي.
ثالثًا: اختلال توازن الميكروبيوم المعوي. فاستخدام المضادات الحيوية لفترات طويلة، أو اضطراب نمط الحياة الغذائي، قد يقلل من أعداد البكتيريا النافعة مثل Lactobacillus وBifidobacterium، مما يضعف كفاءة الهضم ويزيد من بقايا الطعام غير المهضوم، فيتحول إلى وسط خصب لتضاعف البكتيريا الضارة التي تنتج غازات ذات رائحة كريهة جدًّا، مثل المركبات الكبريتية.
متى يجب أن ننتبه حقًّا؟
إن ازدياد الريح ليس بالضرورة علامةً على مرض، لكنه يستدعي التقييم الطبي إذا رافقه أعراضٌ أخرى. فمثلًا، إذا ظهر معه اضطرابٌ في حركة الأمعاء — كالإسهال المتكرر أو الإمساك المتناوب، أو وجود مخاط في البراز — فقد يشير ذلك إلى متلازمة القولون العصبي. أما إذا صاحبه ألمٌ بطنيٌّ مستمرٌ أو انتفاخٌ مزمنٌ، فقد يكون مؤشرًا على التهاب المعدة أو اضطرابات في إفراز العصارات الهضمية.
كذلك، فإن التغير المفاجئ في رائحة الريح — كظهور رائحة تشبه اللحم الفاسد أو الدم — أو ازدياد ملحوظ في عدد المرات (مثل مضاعفة العدد عدة مرات خلال أيام قصيرة) قد يدل على حالات خطيرة مثل النزيف المعوي العلوي أو التهاب البنكرياس المزمن، ويجب تسجيل توقيت هذه التغيرات بدقة وعرضها على طبيب الجهاز الهضمي.
عادات بسيطة تدعم صحة الأمعاء
أولًا: تعديل ترتيب تناول الطعام. يُنصح ببدء الوجبة بالخضروات الورقية أو المطهية، ثم البروتينات، وأخيرًا الكربوهيدرات المعقدة. فهذا الترتيب يبطئ إفراغ المعدة، ويقلل من اضطراب حركة الأمعاء. كما أن المضغ البطيء — لا يقل عن عشرين مرة لكل لقمة — يقلل من ابتلاع الهواء، ويحسّن تكسير الطعام منذ المرحلة الفموية.
ثانيًا: المراقبة الذاتية المنظمة. فتدوين «يومية غذائية» لمدة ثلاثة أيام متتالية، تتضمن نوع الطعام وكميته وتوقيته، بالإضافة إلى ملاحظات حول عدد مرات الريح ورائحتها ومرافقتها لأعراض أخرى، يساعد في تحديد «المسبب المحتمل» بدقة، لأن الاستجابة للأطعمة تختلف من شخصٍ لآخر.
ثالثًا: الدعم التغذوي المستهدف. فتناول الأطعمة المخمرة الغنية بالبروبيوتيك — مثل الزبادي الطبيعي، والكومبوتشا، والميسو — يعزز تنوع الميكروبيوم. كما أن بعض الأشخاص يستفيدون من مكملات الإنزيمات الهضمية (مثل الليباز أو الأميليز) تحت إشراف طبي، خاصةً عند الشك في نقص إفراز البنكرياس أو ضعف هضم الدهون أو النشويات.
يُعرف الأمعاء أحيانًا بـ«الدماغ الثاني» لجسم الإنسان، لما تمتلكه من شبكة عصبية معقدة وارتباط وثيق بالنظام العصبي المركزي. وكل «رسالة» تُرسلها — سواءً كانت ريحًا، أو انتفاخًا، أو تغيرًا في حركة الأمعاء — تستحق الاستماع إليها بوعيٍ ودون هلع. فالخوف من الشائعات الطبية غير المبنية على أدلة لا يحمي الصحة، بل يُعقِّد التشخيص. أما المفتاح الحقيقي للوقاية فهو الالتزام بنمط غذائي متوازن، ونمط حياة منتظم، واستشارة الطبيب المختص فور ظهور أي علامةٍ مستمرةٍ أو متفاقمةٍ — فالفحص الطبي المبكر لا يزال أصدق صديقٍ للصحة الهضمية.