في فصلي الربيع والصيف، تزداد حركة الأطفال في الحدائق والمتنزهات، لكن خلف هذه الأجواء المرحة قد تكمن مخاطر صحية غير مرئية تهدد صحتهم الهشة. فبعض الأطعمة اليومية التي نعتبرها بريئة — مثل السوشي، والسلطات الباردة، والوجبات الخفيفة المُحضَّرة منزليًّا — قد تكون وسيلة انتقال فعّالة لطفيليات خطيرة، خاصةً لدى الأطفال الذين تفتقر أجهزتهم المناعية والهضمية إلى النضج الكامل.
أولًا: المأكولات البحرية النيئة — بوابة دخول الطفيليات
يُعد تناول السمك النيء أو شبه المطهو، مثل السوشي والساشيمي، من أكثر مصادر العدوى بالديدان الخيطية مثل الأسكاريس المُثبِّطة (Anisakis simplex). وهذه الديدان لا تُقتل إلا بالتجميد العميق عند درجة حرارة −20°م لمدة 7 أيام على الأقل أو الطهي عند 60°م لمدة دقيقة واحدة. أما في حالة «الروبيان المخلل» أو «السلطعون المخلل بالكحول»، فالاعتقاد الشائع بأن الكحول يُطهّر الطعام خاطئٌ تمامًا؛ إذ تثبت الدراسات أن يرقات دودة البلهارسيا الرئوية (Paragonimus westermani) تقاوم التعرض للكحول حتى لعدة أيام، ما يجعل هذه الأطباق خطرة جدًّا على الأطفال.
ثانيًا: الخضروات والفواكه — ملاذ للبيوض الطفيلية
الفواكه ذات السطح المُعقَّد كالتوت الأحمر والتوت الأزرق تُشكّل بيئة مثالية لتراكم بيوض الديدان مثل الأسكارس البشري (Ascaris lumbricoides)، خاصةً إذا زُرعت في تربة ملوثة بمخلفات بشرية غير معالَجة. ولتنظيفها بكفاءة، يُوصى بنقعها أولًا في ماء بارد ثم غسل كل حبة يدويًّا بلطف. أما الخضروات الورقية مثل البقدونس والخس، فيجب تنظيف كل ورقة على حدة. وفيما يخص السلطات الباردة المُحضَّرة من الخس أو الجرجير أو البقدونس، فإن استخدام الأسمدة العضوية غير المُخمَّرة في الزراعة يرفع خطر تلوثها بيوض الدودة السوطية (Trichuris trichiura)، ما يستدعي غسلها جيدًا وتطهيرها قبل الاستهلاك.
ثالثًا: اللحوم ومنتجاتها — مخاطر تكمن في درجة النضج
عند تحضير اللحوم في الوجبات السريعة مثل الشواء أو الشوربة الصينية (النارو)، فإن سحب قطع اللحم بمجرد تغير لونها إلى الأبيض هو خطأ شائع يعرّض الطفل لعدوى الدودة الشريطية (Taenia spp.)، إذ تبقى يرقاتها (الكيسات المُعلقة) حية في اللحم شبه المطهو. ويُوصى بطهي اللحوم الحمراء حتى تصل درجة حرارة مركزها الداخلي إلى 71°م لمدة 3 دقائق على الأقل. أما المنتجات اللحومية المجففة مثل اللانغوص واللحوم المدخنة المنزلية، فهي عرضة لبقاء يرقات الدودة الحلزونية (Trichinella spiralis) إذا لم تُخزن عند درجات حرارة منخفضة كافية أو تُطهى بشكل كافٍ، لذا يُنصح باختيار هذه المنتجات من مصادر موثوقة وخاضعة للرقابة البيطرية.
رابعًا: الأطعمة البرية — طعمٌ لذيذ وخطرٌ مضمر
المحار والقواقع النهرية، رغم مذاقها المميز، تمثل خطرًا كبيرًا إذا لم تُطبخ جيدًا. فعلى سبيل المثال، يلزم تسخين القواقع إلى درجة الغليان الكامل (100°م) لمدة لا تقل عن 5 دقائق لتدمير يرقات الديدان المستديرة المُدارة (Angiostrongylus cantonensis)، التي تسبب التهاب السحايا الدماغي عند الأطفال. أما الأعشاب البرية مثل الجرجير البري والملفوف البري (السبانخ البري)، فقد تحمل كيسات الديدان الكبدية (Fasciola hepatica) على ظهر أوراقها، لذا يُوصى بغسلها أولًا بمحلول ملحي مركز، ثم سلقها (Blanching) لمدة دقيقتين على الأقل قبل إضافتها لأي وصفة.
خامسًا: الوجبات الخفيفة — ليست آمنة دائمًا
المكسرات النيئة مثل الفستق الحلبي والجوز، إذا عُرّضت للرطوبة أو التخزين غير السليم، قد تنتج سمومًا فطرية خطيرة مثل الأفلاتوكسين، الذي يُصنَّف من المواد المسرطنة من الفئة الأولى من قِبل الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC)، ويؤثر سلبًا على كبد الطفل حتى بجرعات صغيرة. أما المربّيات والمشروبات المحلاة غير المُصنَّعة وفق معايير السلامة الغذائية، فقد تحتوي على بيوض الدودة الدبوسية (Enterobius vermicularis) إذا أُعدّت من فواكه غير مغسولة أو في بيئات غير معقمة، لذا يجب الانتباه إلى سلامة التعبئة والتغليف وموعد الإنتاج عند الشراء.
إن الوقاية من العدوى الطفيلية عند الأطفال لا تتطلب تغييرات جذرية في النظام الغذائي، بل تعتمد على تطبيق مبادئ بسيطة: غسل اليدين قبل التعامل مع الطعام، وطهي اللحوم والمأكولات البحرية حتى النضج الكامل، وغسل الخضروات والفواكه بطريقة منهجية، وتجنب تناول الأطعمة النيئة من مصادر غير مضمونة. وتذكّر دائمًا: خمس دقائق إضافية في التحضير قد تصنع فرقًا كبيرًا في حماية صحة طفلك من عدوى قد تترك آثارًا طويلة الأمد على نموه وتطوره.