في يوم الطفل العالمي، الذي يُفترض أن يكون أجمل أيام العام للأطفال، أثار خبر طبي نُشر في مدينة شيان الصينية قلقًا واسع النطاق بين الأهالي: فرض طفلٌ عمره خمسة أشهر فقط، ووالداه يعانيان من قصورة بصرية شديدة، تم تشخيص إصابته بقصر نظر يتجاوز ١٠٠٠ درجة. وقد أكّد طبيب العيون الرئيسي في مستشفى شيان للأطفال أن هذا الرقم يُعدّ استثنائيًّا حتى في الأوساط الطبية المتخصصة.
ويعني هذا القياس أن الرؤية عند هذا الرضيع مشوَّشة جدًّا لدرجة أنه لا يستطيع التمييز بين الصور على شاشة التلفزيون حتى لو كانت على بعد نصف متر فقط. وفي الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه عقل الطفل نشيطًا وعيناه تكتشفان العالم بفضولٍ وحيوية، فإن حواسه البصرية تواجه ضبابًا كثيفًا لا يسمح له بالتفاعل الطبيعي مع بيئته. وهذا يذكّرنا بأن قصر النظر ليس مجرد «خلل بصري» يمكن تصحيحه بنظارة، بل هو حالة مرضية خطيرة عندما تتجاوز درجته ٦٠٠ درجة، وقد تؤدي إلى العمى إذا لم تُدار بدقة.
إن ما يجعل هذه الحالة أكثر إثارة للقلق هو أنها ليست مجرد انتقال وراثي لدرجة قصر نظر عادية، بل هي انعكاس لـ«قصور بصري مرضي» (Pathological Myopia)، وهو اضطراب وراثي يُضعف تركيب كرة العين منذ الولادة، ويؤدي إلى نمو غير منضبط في طول المحور البصري (Axial Length). وبخلاف قصر النظر العادي الذي يستقر غالبًا بعد البلوغ، فإن القصور المرضي يتقدم باستمرار، مما يعرّض الشبكية لخطر الترقق المفرط، ثم الانفصال، أو التنكس البقعي، أو حتى الزرقة (الغلوكوما) — وكلٌّ من هذه المضاعفات قد يؤدي إلى فقدان البصر الدائم.
ويُشبه الخبراء «احتياطي البصر» عند الأطفال بحساب مصرفي: فكل رضيع يولد بدرجة معينة من البصر البعيد (Hyperopia)، وتُعرف هذه الدرجة باسم «احتياطي البصر»، وهي بمثابة رصيد بصري يُستهلك تدريجيًّا خلال السنوات الأولى من العمر. وعادةً ما يمتلك الطفل في سن الثالثة حوالي ٢٠٠–٢٥٠ درجة من البصر البعيد، وهي كافية لتأخير ظهور قصر النظر. أما في الحالات التي يحمل فيها الوالدان جينات القصور البصري الشديد، فقد يكون هذا الرصيد إما منعدم منذ الولادة، أو ينخفض بسرعة كبيرة جدًّا، ما يجعل الطفل عُرضة مبكرة جدًّا لتطور قصر نظر حاد.
وهنا تبرز أهمية الفحوصات البصرية المبكرة: فالكثير من الآباء يعتقدون خطأً أن فحص العين غير ممكن قبل أن يبدأ الطفل في التعبير عن شكواه، لكن الواقع أن التشخيص المبكر عبر أدوات مثل قياس الانكسار بالتوهين (Cycloplegic Refraction) أو التصوير بالموجات فوق الصوتية للعين (B-scan Ultrasound) يمكن أن يكشف عن الاختلالات قبل ظهور أي أعراض سلوكية مثل الغمز أو الاقتراب المفرط من الأجسام. والتشخيص المبكر ليس رفاهية، بل هو الخطوة الأولى والأهم في إدارة القصور البصري المرضي.
أما العامل الثاني المؤثر — والذي يمكن التحكم فيه — فهو التعرض المبكر والمفرط للشاشات الإلكترونية. فقد حذّرت وزارة الصحة الوطنية الصينية، وكذلك منظمة الصحة العالمية، من استخدام أي أجهزة رقمية (مثل الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية) لدى الأطفال دون سن الثالثة، لأن العين الرضيعية لا تزال في مرحلة نمو حرجة: فالعضلة الهدبية (Ciliary Muscle) غير ناضجة بعد، ولا تستطيع التعامل مع الإجهاد البصري الناتج عن التركيز القريب المستمر على الشاشات. وهذا الإجهاد يحفّز تمطّط محور العين بشكل لا رجعة فيه، إذ لا يمكن اختصار طول المحور البصري مرةً ما ازداد، تمامًا كما لا يمكن تقليص الطول الجسدي بعد البلوغ.
وبناءً على ذلك، يوصي أطباء العيون بثلاثة إجراءات وقائية أساسية: أولها إجراء فحص عيني متخصص في الأشهر الأولى من الحياة، خاصةً للأطفال ذوي التاريخ العائلي للقصور البصري الشديد. ثانيها زيادة الوقت المخصص للأنشطة الخارجية تحت ضوء الشمس الطبيعي، إذ يُحفِّز الضوء الساطع إفراز الدوبامين في الشبكية، وهو ناقل عصبي يقاوم التمطّط غير الطبيعي لمحور العين. وثالثها الالتزام الصارم بمنع استخدام الشاشات لدى الأطفال دون سن الثالثة، وإذا تجاوز الطفل هذه السن، فيجب تطبيق مبدأ «الأفضل أن تكون الشاشة كبيرة وبعيدة»، مع ألا تتجاوز مدة الاستخدام ١٥ دقيقة في المرة الواحدة.
إن كوننا آباء لا يعني أننا نملك القدرة على تغيير التركيب الوراثي لأبنائنا، لكنه يفرض علينا مسؤولية تغيير ممارساتنا اليومية ومعرفتنا الطبية. فلا يُفترض أن يبدأ طفلٌ حياته وهو يرى وجه أمه من خلال غشاوة ضبابية، ولا أن يرتدي نظارات سميكة قبل أن يتعلم المشي. فالعالم الذي يستحق أن يراه الطفل يجب أن يكون واضحًا، وليس مُعرّضًا للتآكل بسبب إهمالٍ يمكن تجنّبه.