كيفية علاج مشكلة التمييز في تناول الطعام لدى الأطفال
يُعَدُّ التَّنَوُّعُ في النظام الغذائي من الركائز الأساسية لنمو الطفل السليم وتطوره البدني والعصبي، غير أن العديد من الأطفال يُعانون من ظاهرة «الانتقائية الغذائية» أو ما يُعرف شائعًا بـ«الانغلاق الغذا
يُعَدُّ التَّنَوُّعُ في النظام الغذائي من الركائز الأساسية لنمو الطفل السليم وتطوره البدني والعصبي، غير أن العديد من الأطفال يُعانون من ظاهرة «الانتقائية الغذائية» أو ما يُعرف شائعًا بـ«الانغلاق الغذائي»، وهي حالة تتمثَّل في رفض الطفل تناول أطعمة معيَّنة أو فئات كاملة منها — مثل الخضروات، أو الفواكه، أو الأطعمة ذات القوام أو الطعم المحدَّد — مع الاعتماد المفرط على عدد محدود من الأطعمة المألوفة.
ولا يقتصر خطر هذه العادة على نقص العناصر الغذائية الأساسية كالفيتامينات (خاصةً فيتامين أ، ج، د)، والمعادن (مثل الحديد والزنك)، والألياف، بل قد يمتد ليؤثر في تطور المهارات الحسية-الحركية المرتبطة بالمضغ والبلع، ويُضعِف وظائف المناعة، ويزيد من احتمالات الإصابة باضطرابات هضمية مزمنة أو سوء التغذية المقنَّع، حتى في حال بقاء وزن الطفل ضمن المعدل الطبيعي.
ويؤكد خبراء طب الأطفال والتغذية أن التعامل مع هذه المشكلة يتطلَّب نهجًا تكامليًّا لا يركّز فقط على «إجبار الطفل على الأكل»، بل يراعي الجوانب النفسية والسلوكية والتنموية. ومن أبرز الاستراتيجيات المدعومة علميًّا: إدخال الأطعمة الجديدة تدريجيًّا وبشكل متكرر (قد يحتاج الطفل إلى 10–15 عرضًا لقبول طعام جديد)، ودمجها مع أطعمة مألوفة، وتوفير بيئة غذائية إيجابية خالية من الضغط أو المكافآت المادية، وإشراك الطفل في تحضير الوجبات حسب عمره، ما يعزِّز شعوره بالتحكم والانفتاح على التجارب الجديدة.
كما يُوصى بمراجعة طبية شاملة عند استمرار الانغلاق الغذائي لأكثر من ثلاثة أشهر، أو مصاحبتها بأعراض مثل فقدان الوزن، أو تأخر النمو، أو تغيرات في لون البشرة أو الشعر، أو ضعف التركيز، لأن ذلك قد يشير إلى حالات كامنة مثل حساسية الطعام، أو اضطرابات في الجهاز الهضمي، أو اضطرابات في معالجة الحواس، أو حتى اضطرابات نمائية مثل اضطراب طيف التوحد، والتي تتطلب تشخيصًا دقيقًا وتدخلًا متعدد التخصصات.
وباختصار، فإن تصحيح السلوك الغذائي لدى الطفل ليس مسألة وقتٍ أو إرادةٍ فقط، بل هو عملية تربوية صحية دقيقة تتطلب الصبر، والمراقبة الذكية، والتعاون بين الأسرة والطبيب وأخصائي التغذية وأخصائي النطق والعلاج الوظيفي عند الحاجة — كلٌّ وفق دوره في دعم الطفل نحو علاقة صحية ومستدامة مع الطعام.