انتشر مؤخرًا بين المصابين بالعقيدات الدرقية شائعاتٌ تدفع البعض إلى تناول كميات كبيرة من الأعشاب البحرية مثل «الكُنْبُر البحري» و«النوري» يوميًّا، ظنًّا منهم أن ذلك يساعد في تقليل حجم العقيدات. لكن نتائج الفحوصات الدورية أظهرت ارتفاعًا مفاجئًا في مستويات هرمونات الغدة الدرقية أو تضخُّمًا في حجم العقدة نفسها. والسؤال المهم هنا: هل السبب فعلاً ملح اليود؟ أم أن هناك عوامل غذائية خفية — لا تلفت الانتباه عادةً — تلعب دورًا أكثر خطورة في تفاقم الحالة؟
أولًا: الأغذية الغنية باليود قد تُفاقِم المشكلة بدلًا من علاجها
بعض الأطعمة البحرية، مثل الكنبُر البحري والطحالب المجففة (مثل النوري) ومحار «المِيسِل»، تحتوي على تركيزات عالية جدًّا من اليود — تفوق الاحتياج اليومي للإنسان بأضعاف مضاعفة. وفي حال وجود عقدة درقية، خاصةً إذا كانت نشطة أو مرتبطة باضطرابات المناعة الذاتية مثل داء غريفز أو التهاب الغدة الدرقية الليفي، فإن الإفراط في تناول هذه المصادر قد يحفِّز إنتاج الهرمونات الدرقية بشكل غير منضبط، ما يشبه إضافة الوقود إلى شرارة صغيرة.
ولا يقتصر الخطر على الأغذية الطبيعية فقط؛ بل يمتد إلى المنتجات المصنَّعة التي تُضاف إليها مستخلصات طحالبية كمادة مُثبِّتة أو مُحسِّنة للنكهة. فبعض البسكويت، والمقرمشات، وحتى بعض أنواع الجبن المُعلَّب تحتوي على «مستخلص طحلبي» دون أن يدرك المستهلك كمية اليود المُضمرة فيها. ولذلك، يُنصح دائمًا بمراجعة قائمة المكونات وجدول القيم الغذائية قبل الشراء.
ثانيًا: الأنظمة الغذائية المُحفِّزة للالتهاب تُهيِّئ بيئةً مواتية لنمو العقيدات
الدهون المتحولة — التي تتكوَّن عند تسخين الزيوت النباتية مرارًا وتكرارًا، أو توجد في الزبدة النباتية الصناعية والمعجنات المخبوزة جاهزة — تُحفِّز إنتاج مواد كيميائية التهابية داخل الجسم. وبمرور الوقت، قد تؤدي إلى حالة من الالتهاب المزمن منخفض المستوى، وهي بيئة خصبة لتكاثر الخلايا غير المنضبط، وقد تساهم في استمرار نمو العقدة أو تحوُّلها إلى صورة أكثر نشاطًا.
أما السكريات المكرَّرة، فتُشكِّل خطرًا آخر لا يقل أهمية: فاستهلاك المشروبات الغازية المحلاة، والحلويات، والمشروبات المُثلَّجة المحلاة بالسكر يؤدي إلى ارتفاع حاد ومفاجئ في مستويات الجلوكوز والأنسولين، ما يُحفِّز إطلاق عوامل التهابية مثل إنترلوكين-6 وعامل نخر الورم ألفا (TNF-α). وهذا التأثير ليس مرتبطًا فقط بصحة القلب أو السكري، بل يمتد ليشمل استقرار الغدة الدرقية وسلوك العقيدات.
ثالثًا: المكملات الغذائية دون تقييم طبي قد تكون عكسية تمامًا
البروتين الزائد — سواء من مساحيق البروتين أو من مصادر حيوانية مركزة — ليس بالضرورة مفيدًا لجميع مرضى العقيدات. ففي بعض الحالات، خاصةً تلك المرتبطة بخلل في إشارات النمو الخلوي أو اضطرابات في مسار mTOR، قد يُسهم الإفراط في البروتين في تحفيز تكاثر الخلايا الدرقية بشكل غير مرغوب. ولذلك، لا يُنصح أبدًا بتناول أي مكمل غذائي دون تقييم سريري ومخبري شامل، بما في ذلك قياس مستويات الهرمونات الدرقية، والأجسام المضادة، ووظائف الكبد والكلى.
كذلك، فإن الأحشاء الحيوانية مثل كبد الخنزير أو كبد الدجاج، رغم غناها بالحديد وفيتامين A، إلا أنها تحتوي على كميات عالية من الكوليسترول والبيورينات. والإفراط في تناولها — أكثر من ثلاث مرات أسبوعيًّا — قد يزيد العبء الأيضي على الكبد والكلى، ويُعقِّد تنظيم الهرمونات الدرقية، خاصةً لدى المصابين باضطرابات التمثيل الغذائي أو متلازمة التمثيل الغذائي.
رابعًا: بعض الأغذية «المُسمَّاة صحية» تحتاج إلى توضيح علمي دقيق
الخضروات الصليبية مثل البروكلي والملفوف والقرنبيط غالبًا ما تُذكر في سياق «التقييد الغذائي» لمرضى الغدة الدرقية. لكن هذا التحذير مبالغ فيه: فالمركبات الكبريتية (مثل الجلوكوزينولات) الموجودة فيها لا تؤثر سلبًا على الغدة الدرقية إلا عند تناولها نيئـة وبكميات هائلة، مع نقص شديد في اليود. أما عند الطهي الكامل — خاصةً السلق أو البخار — فإن هذه المركبات تتحلل وتختفي تأثيراتها المحتملة. وبالتالي، لا داعي للحرمان منها، بل يُوصى بإدراجها ضمن نظام غذائي متنوع ومُطهو جيدًا.
أما فول الصويا ومنتجاته، مثل الحليب النباتي المصنوع من فول الصويا أو العصائر الطازجة منه، فهي آمنة تمامًا عند الاستهلاك المعتدل (كوب إلى كوبين يوميًّا). لكن الإفراط في تناول منتجات الصويا — خاصةً غير المخمَّرة مثل التوفو أو الحليب المركّز — قد يعيق امتصاص اليود والحديد والزنك بسبب محتواها من الفيتات والمواد المضادة للغذاء. ولذلك، يُراعى التوازن وليس الحظر المطلق.
وفي الختام، لا تكمن الحلول في تبني قوائم «ممنوعات» جامدة، بل في بناء نمط غذائي مرن ومتوازن: يضم ٢٠ نوعًا مختلفًا من الأغذية أسبوعيًّا على الأقل، ويُفضَّل فيه طهي الأطعمة بالبخار أو السلق أو الطهي البطيء، مع تجنُّب القلي العميق والتدخين والتحمير عالي الحرارة. والأهم من ذلك: تسجيل النظام الغذائي لمدة ثلاثة أشهر قبل كل زيارة طبية، ليكون دليلًا عمليًّا يُساعد الطبيب المتخصص في تقييم العلاقة بين العادات الغذائية وتطور العقدة — وهذه خطوة تشخيصية وعلاجية لا تقل أهمية عن الفحوصات المخبرية والتصويرية.